4.28.2012

هكذا أنا يا غالية



أنا كما كنت سابقاً رجلاً أبيض لونتني شمس بلادي، ولست أكثر ولا أقل من أي أحد أخر لتحبيني، عادية حياتي يا غالية أصحو صباحاً من دون معاد، اتناول الحليب كثير السكر، لست مهتماً بمن سيعتبرني صغيراً لأني اتناوله، لكني لن أسميه "نسكافيه" لهواه. 
هكذا أنا يا غالية، عملي في أرضي لا يجعلني بطلاً، ولا القراءة تجعلني عالماً، ولن يجعلني حبك ملاكاً، كان علي ان أسهر من الجندي الذي اوقفني صباحاً، فهو يا غالية ايقظوه منذ الصباح في مثل هذا البرد وأرسلوه مع زملائه المغفلين ليسألني في السابعة صباحاً ومطر السماء لا ينقطع عن مرج أبن عامر،،، إلى أين تذهب؟؟
هكذا أنا يا غالية كان علي أن أستمع لك، ليس فقط لأن عيناكي جميلتان وحسب، وايضاً لأن لكلامك متعة لا أستطيع تعريفها، ولا أستطيع أمام كلامك سوى الاستماع، أعلم أنك تلوميني على قلة النظر لعيناك خلال الحديث، فأنا خجل من  كلام العيون، ولست جيداً في التركيز وربما هناك بعض الامور الاخرى أريد أن أخفيها. 
هكذا أنا يا غالية قليل النوم، لا أحب الموسيقى، أشرب قليلاً من القهوة وكثيراً من الشاي، لم أحلم مسبقاً أني فارس أحلامك، ولم أحلم بك أنت أيضاً لكن أنت كنت مفاجئة يا غالية. 
هكذا أنا يا غالية قد أكون فظاً حيناً ولا مبالياً أحياناً، لا أكتم ألمي لأني رجل شرقي، ولا أستغل مشاعري أو مشاعرك، أعبر عن نفسي بما تيسر لي من كلام كما أنا وليس كما أتمنى والاهم ليس كما تريدين أن تجدي في شخصي. 
قد أكون صبوراً حد الملل وقد اكون متأنياً حد اليأس، قد أكون قوياً حتى الضعف، قد اللوذ اليك بالفرار قد اللوذ منك بالفرار، فأنا لا أريد أن تبني علي أملاً أكبر مني يحرجني، أو أصغر مني يسيء لي، ولا ... 

هكذا أنا يا غالية أسمع ما قالوا الحكماء، فأحدهم قال عن الحب أنه حكمة الحمقى، أو حماقة الحكماء، وأنا لا أطوي أشرعتي أذا كانت حماقة أخرى في الرياح. 

4.08.2012

سيقول لها غداً

أنت يا غالية صديقتي، وتقتلني تعابير الحيرة بوجهك، أنت يا غالية صديقتي، وأحاول منذ وقت أن أقول لك... . 

هو يا غالية صديقي، وهو قريب مني حتى مللته، هو يا غالية يخاف من الكلام، وعلي أجد له عذراً، وسأقول لك ما لم يستطيع البوح به.

كان منزوياً بعض الشيء فتمكن الكسل منه، كان منعزلاً قد كره الدنيا، كان منعزلاً فقد ثقته بالكثير منهم، لم يرضى السير بطريق كل الناس تسلكه، فكل حياته لانمطية،، وكل حياته عاش مبعثراً مشتتاً حالماً بعض الشيء، يا غالية هو لا يعرف كيف يصارحك، هو يا غالية صديقي الذي اعتزل المشاعر، وتخلى عن هوسه بالرياضة ليصبح مختلفاً عمن هو، كان يلوذ الى  بعض الكتب. 

يحدثني عنك أنت دائماً، لكن أنت لا تعرفين ماذا يخفي خلف ابتسامته المعهودة، ولا تعرفين كم هو صعب كم من المر أحتساه في كأس الشاي الصباحي، هو لا يريد أن يقول لك عن تجربة حياته علك لا ترين منها ما لا ُيسرك، يريد أن يقول الكثير ولا يستطيع 

يضع نفسه على فراشه في كل ليلة، ويهاتفني عنو أشتياقه، وفي نهاية الحديث يقول لي (لم اقل لها اليوم،،، سأقول لها غداً) 

4.04.2012

هنا وهناك، قبل عشرة اعوام.

كان الجو ابرد قليلاً من هذه الايام، كان الجو ثقيلاً تتمازج الرياح برائحة الحقد والغضب والخوف والطحين، كانت السماء مليئة بضوضاء الطائرات والدبابات ومكبرات الصوت، والجدران ملطخة بكلمات عبرية الاحرف، ورصاص وقدائف وبعض الدماء، كانت الليالي دون انوار ولا كهرباء، وكنت أنا ساهر مع اخوتي في البيت وهو يؤذن الفجر، عندما أحسينا بصوت غريب في بلدتنا الهادئة. 
هنا رمانة، بلدة تستلقي في مرج بن عامر بين جبل تعنك التاريخي ومجدو، تماماً مقابل تل الذهب وتحت جبل سكندر تاج ام الفحم، هي هنا منذ القدم، كان فيها الرومان وتركوا بعض الاثار، وفيها زيتون رومي يملك من العمر أكثر من ألف سنة، وفيها هذا الصباح صوت غريب قض مضجعها، وجعل أهل بلدتنا يهرعون ليدركوا كهنه. 
لم تبزغ شمس هذا الصباح، والليل شديد سواده، ولا ترى عندما تركز البصر سوى أشباح تأتي نحوك، أشباح تتحرك في مجموعات، وتقترب ... وتحبس انفاس الجميع وتقترب، أجسام عارية تقترب نحوك، أكثر من مئة جسم مرة واحدة، وعارية في برد هذه الليلة، هزيلة، نحيفة، خائرة الخطى، وتقترب أكثر، بعد أن تقتلك الصدمة والمفاجئة والدهشة، تهرع مثلي نحوهم، فهم بشر، نعم بشر مثلنا، تعطي احدهم قميصك وأخر حذائك، وتجري نحو البيت مثلما فعلت انا، وتيقظ أمك من نومها لتعمل لك بعض الشطائر وتحملها وأمك لم تفهم بعد ماذا يحدث وتجري نحوهم عائداً وتقول لهم واحمرار الخجل يملأ وجهك، هذا ما تيسر من خبز أمي، وهذه سترتي الوحيدة، وتجلس مقابلهم على الارض في ساحة المسجد منتظراً أن يقولوا أي شيء. 
هناك جنين، هاهي في مدى بصري، هاهي تشعلها رغم انقطاع الكهرباء انفجارات القذائف، وليفصل بيننا سوى شارع كان يصل بينها وبين حيفا مليء بدبابات وجيبات عسكرية، وموت، وعشر سنين منذ هذا اليوم. 
هناك جنين، وفيها D9 يدمر من المنازل ما استطاع اليه الوصول، ومن لم يمت من هدم بيته على رأسه أم من رصاصة أو قذيفة، أُقتيد الى معتقل سالم، حيث أمتلأ المعتقل، وضاق الجنود ذرعاً بمن قد اعتقلوا وتركوهم في مدخل بلدتنا الهادئة صباحاً على إلا يعودوا لجنين حتى أنتهاء الاجتياح. 
في بيتنا أجلس اليوم محاولاً النوم على كرسي بلاستيكي في غرفتي التي امتلأت بشباب لم يذوقوا النوم بعد، لم يتكيفوا مع حرارة غرفتي الدافئة بعد أن تسرب برد الجو الى عظامهم وهم الذين قد احتجزوا في العراء، وليس للنوم سبيلا. 
اليوم الرابع عشر للاجتياح، اركب التكسي نحو جنين عندما كانت جنين ابعد من الجنة عن بلدتي، نسلك طريقة جديدة في كل مرة نذهب لها، سوى طريق واحدة وهي طريق حيفا جنين، وهي طريق الشمال الاخرى الخارج من جنين بموازاة شارع 60 الذي يصل للناصرة، ونصل بعد الانهاك لها، اهرع نحو المخيم، مخيم جنين، كل شيء فيه مثلما لم يكن، فالبيوت مهدمة والورود قد ذبلت، وصورة منير وشاحي، صديقي أنا مصلوبة على جدارية بجانب صورة أمه وقد تهدم بيتهم فوق رؤسهم، أحبس دمعتي بصعوبة يومها، واقول في نفسي، مع السلامة يا صديقي، يشدني اخي من يدي علنا نساعد احدهم، ولا وقت في المخيم للبكاء ولا لرثاء صديقي، من المصلوب على الجدار يا منير روحك أنت، أم صورتك، أم أملنا، أم عجزنا، أجبني بربك كيف تحافظ صورتك على الابتسامة، أجبني بربك اين تذهب روح شاب لم يمضي من العمر سبعة عشر خريفاً عندما يقرر وحش "كاتربلر" انهاء أحلامها، أجبني بربك هل تتذكر الايام التي قضيناها بمعسكر الشهيد صلاح خلف بعد أن عرف بسجن الفارعة، اجبني... .
أبحث عن عمي هنا أو هناك، فلو كنت مكاني انت ايضاً لم تكن لتعرف أي حطام هنا كان بيته، ويرشدني الناس الى بعض الخيام، وأذهب حيث عمي لأجد خيام كثيرة تذكرني بصور اللاجئين في ما بعد النكبة، مصفوفة متلاصقة تحاشر بعضها على المكان ومن هول المنظر انسى لما قد اتيت، واذا دققت النظر لوجدت مثلي مقبرة دفنت الجثث والاشلاء بالجملة، وأناس يبكون من حولهم، وحجة تسعينية العمر تحتار الحيرة من المشاعر التي نقشت على وجهها، تقول لي، "انشالله مفقدتش غالي ياستي، الله بعين، الله بعين" 
هنا رمانة، بلدة حزينة تقع تماماً بجانب جدار معدني يجثو على ارضها من جهتين، وبجانب معتقل سالم المقام على ارضها، تماماً قبل معسكر تدريب لجيش الاحتلال، وبعد أخر "حاجز طيار" على طريق جنين سالم، أتذكر اليوم وهو ينادي لأذان الصباح، أنه قبل عشر سنين وأسبوعين وعدت نور أن نلتقي قريباً، وسألت عنها، وفتشت شواهد القبور، ولم أجد اليها سبيلا،،، أين صديقتي نور؟؟

4.01.2012

يوم أخر بحضورها

تجلس بجانبه، كل ما فيها كما يجب أن يكون، كل ما فيها كامل، يجتمع فيها ملاك يستيقظ صباحاً ليوقظها من نومها الجميل والاحلام الشيطانية في شقة في مدينة رام الله، لتقف على المراءة قليلاً، وتذهب كمجتهدة للمكان، وفيها شيطان يحرك عيناها بقوة نحوه دونما ارتباك، له هو الذي يجلس محاولاً أن لا يظهر ارتباكه، هو لا يحلم اليوم كأي منام عادي أخر له، يستيقظ على صوت هاتفه النقال الذي يزف له وجوب الذهاب الى رام الله من بيته الواقع في قريه لا تعرف الازعاج في ريف جنين، يحث سائق التكسي على الاسراع ليصل. 
باردة هي رام الله صباحاً ولا يأبه ببردها، يبحث عنها لمجرد وصوله هناك، ويدخلان معاً ليجلس بجانبها، وكأنه خجولاً لا يقول لها بأنها أجمل وبأنها السبب الرئيس لحضوره وأنه يريد أن يبقى بجاذبيتها، ويكتفي بتعديل حالته على الـ facebook كاتباً "يقتلني حضورها، وما في قلبي سأدفنه فيه لبعض الوقت" ويوتره تعليق صديقتها وكأنها تعرف ما لم يقال وتواجهه بأن عليه البوح بما لم يخرج بعد، ولا يدري هو أكانت صديقتها قد لاحظت نظرات عيناه منذ أكثر من سنة، ويحاول أن يقنع نفسه بأنها لم ترى. 
بجانبها يختلس النظر لعيناها ووجها ولما تكتب بطريقة معكوسة كالتي يستخدمها عندما يريد أن يكتب سراً ويبتسم. 
يضحكان يبتسمان يركزان يأكلان يفعلان كل شيء معاً وكل ما يستخلصه من هذه الفترة الذهبية كان قد اوجده منذ زمن، هو أنه لا يريد لوجودها أن ينتهي، يعرفها على أصدقائه وفي كل مرة يعاتب نفسه بأنه كان يجب عليه أن يعرف عنها بطريقة أخرى، ولكنه "متباطءاً" كما يدعي المنطق. 
اربعة شهور مضت منذ يومها وأشهر أخرى من قبل ولا زال يجلد نفسه ولا يعزيه المنطق ولا شيء أخر، وفي كل ليلة قبل أن يخلد للنوم يقول؛ سأقول لها غداً صباحاً. 

2.25.2012

إلى الدمشقية

رسالة عاشق فلسطيني الى ثائرة دمشقية*. 


نحن بخير يا محبوبتي، فأحداث الاقصى الاخيرة لم تنهينا، نحن بخير ما زال بإمكاننا أن نطلق بعض الرصاص في جنائز الشهداء، لا أعرف ألديك وقت لتعرفي، أن الذي يصلي في بلدي يُقتل، ففي القدس يجمع الجنود غيظهم، وخوفهم الذي تراكم منذ ثلاث وستين سنة واسلحة رشاشة وقنابل يدوية وأخرى مسيلة للدموع ودروع، ويضربونها تحت قبة الصخرة المشرفة، لخوفهم من الدعاء أو الارتباط في القدس، أما في الاقصى فهم ينتظرون في الباحات مددجيين يخافون من عجوز عمره تجاوز الثمانين عاماً أكبر من دولتهم، يتگء على عصاً من ناحية وعلى شابٍ عمره عشرون عاماً من الجانب الاخر، ماذا عنكِ أنت؟؟
هل ما زلت في دمشق الابية أم تنتقلين حسب شدة وطيس الثورة، هل ما زال هناك خرقاء يدعمون النظام عندكم، أتعجب كل ما أفكر بهذا، لكن المتسلقين هذا طبعهم، حبيبتي أنا سأحذفهم عن "فيس بوكي" وأعلن انه منطقة خالية من العملاء ومؤيدي الاسد، غاليتي لماذا ثرتم عليه، إلا تخافون أن يعاد التاريخ وتتكر حماة، مأساة العصر، حبيبتي عندما قرأت هذا الكتاب الذي هو ممنوع عنا أصلاً، كنت أرتجف، لم انهه بعد وقد بدأته منذ زمن بعيد، حبيبتي أني ما زلت خائف أن يغتالكي النظام فهو محترف بإختطاف الاقمار، وهم مبدعون بإيقاف القمم النامية، أنتبهي أرجوكي، فالرصاص يغمض عينيه في الطريق لهدفه فلو رأئ عيناك لن يقتل، لا تنشري الفيديوهات على ال"يو تيوب" بأسمك قد يعرفكي بلطجية النظام ومخابراته، ويذهب أملي الضعيف برؤيتك، لا أعرف أي أمل هذا، فأنا فلسطيني قرر جيراني أن يعاقبوني ويكونوا أكثر أنخفاضاً من سقف توقعات عدوي، ودمشق ليس لها سبيلا، وأنت يا غاليتي لو جئت إلى هنا تحتاجين إلى جنسية أخرى وأنا أحبك دمشقية بكل تفصيلاتك، أشم طعم الابجدية واللاذقية في شعرك المتناثر حول كتفيك، وأحب أن أرى مشاغبة البحر بعيناك، حبيبتي انا لا أعرف البحر، صديقنا المصري كان قد دعاني قبل سنة لأرى مياه البحر في شرم قبل أن تبدأ ثورتهم، لكنه يا غالية قُتل في مظاهرات الاسكندرية، كان معارضاً للنظام وللأخوان، وهم جعلوا سيارة الشرطة تقضي على ما تبقى من روحه، عندما مرت عن جسده وهو على الارض يعاني من رصاصة في كتفه، لم يغتالوا صديقنا فقط، وأيضاً رغبتي في معانقة البحر، فأي طعم لشرم الشيخ أو للإسكندرية بدونه. 
أما أنت يا حبيبتي، أعرف أني أخاطر عند طلبي منك الاستمرار، فثورتكم هي الصواب الوحيد في سوريا منذ اربعين عاماً، كان الظلم عندكم كالافيون يقتلكم، وشعبكم يستسلم للثمالة والحشيش والظلم والنظام الذي أغتال كل شيء، لكنه لم يتمكن من كرامتكم، ولهذا تضحون بأنفسكم لكي يرحل، حبيبتي لو أستشهدتي سأبني لك قبراً في حديقتي الصغيرة، فأنت كأي ثائرة سورية مستعدة لتقديم روحك في سبيل التحرر، في كل يوم أشاهد الاخبار وأرى الوتيرة زادت والارقام ترتفع، لكن انتم لستم أرقام ، فلكل شهيد حكاية وقصة وأمال كان قد رسمها في صباه، ولكي أنت أنا أو ما تبقى مني، كان علي أن أسكن عمان وأنت تفعلين ونلهو بجاذبية مدينة تشاركنا همومنا فهناك لاجئين من شعبي ومن شعبك أيضاً، لكن يا حبيبتي هذه فلسطين لا أستطيع تركها حتى لكِ أنت، ستضحكين فأنا لا أمارس سوى الكتابة لست مثلك ثائراً، ولا مناضلاً كصديقنا الاسكندراني، لكنني فلاح خلق الله أرضي في مكان أصبح في عام ١٩٦٧ حدوداً، وهذه الحدود تفصل أرضنا وايضاً العائلة، فأنا هويتي الخضراء تختلف عن هويه أبن عمي الزرقاء، وكل واحد منا من دولة، وأهتمامي بما تبقى لعائلتي من أرض يقتلهم، "وأنا أزرع أشجاري على مهلي، وعن حبي أغني"**. 
حبيبتي الدمشقية أن نصركم أقرب من نصرنا، ولا فرق بيننا وبينكم سوى أن ظلم ذوي القربى أشد قسوة، والرصاص الذي يقتلكم هو نفسه الذي يقتلنا، فلا فرق إن كان روسياً أو أمريكياً، فهو يقتل نفس الاحلام ونفس الروح، ويُبكي أمي وأمك، اللواتي لم تهتما أبداً إن كانت الدموع على شهيد فلسطيني او سوري او مصري او تونسي او...او... والقائمة تطول، لكن أمي تدعو لك ولرفاقك وأنتم تعدون العدة وخطة ثورة اليوم، وتدعو لمن بقي في ميدان التحرير وللأسيرة هناء الشلبي التي سلاحها الوحيد أضرابها عن الطعام وهي التي حررت في تبادل الاسرى الاخير، وأنتهكوا الاتفاق وأعتقلوها هي ورفاقها مرة أخرى، في مصر يفتي الازهر بأن الاضراب عن الطعام خطيئة، فهكذا قال شيخ الازهر للشيخ خضر عدنان الذي اضرب ستة وستين يوماً، لكن هو ايضاً له أم تسأل "أيفتي قاعداً لمجاهد"، فقاعدة "لا ضر ولا ضرار" يا حبيبتي لاتأخذ في حالتنا فلن تسقطوا نظامكم الطاغي لو أخذتم بها، وكان لم يفعل الثوار في تونس ومصر وليبيا، أنسي شيخ الازهر القاعدة الشرعية "الضرورات تبيح المحظورات"، فهو لا يعلم أن الطيار السوري عدنان الحاج خضر قطع رجله بسكينه بعدما سقطت طيارته في الجولان، وأغاظ الجنود الاسرائيلين حتى قطعوا رجله الاخرى، وعندما تحرر من أسره عاد لأرضه ينكش الارض ويزرع. 
حبيبتي رسالتي طالت وانا لا أريد أنا أخذ من وقت انتفاضتكم أكثر، سأبقى مراقباً بريدي لرساله منك، والتلفاز علي أرى صورتك قريباً. 
كوني بخير، وثائرة أكثر. 

حبيبك المخلص 
عاشق من فلسطين
-----
*كتبت الشاعرة أمل جراح ديوان بأسم "رسائل إمراة دمشقية إلى فدائي فلسطيني" في بيروت عام 1970 ومن ديوانها كانت فكرة الخاطرة.
** "يوميات جرح فلسطيني"  محمود درويش 

2.19.2012

في الطريق إلى جبع

صباحي أصبح يتأخر قليلاً، كنت منفعلاً جداً فلا أعرف لماذا اليوم أستيقظت على صياح مَلكين، يتحاوران عن طفلتين جميلتين، أسمع صوت بكاء أمي من الصالة، أستجمع نفسي، أفرك عيناي، أفتح هاتفي المحمول، أغسل وجهي، وأشاهد التلفاز، وأصمت.  
طفلة اعرفها أكثر من الملائكة، وأكثر من رياح جبع، وأكواب الديزل المسكوب فوق جراحنا كانت تلبس زيها على مهل، وتقف بجانب أمها كل صباح حتى تجهز لها شطيرة الجبنة الصفراء، وتنتظر والدها لتأخذ بعض النقود وتنزل الدرجات الثلاث وعشرون لتنتظر حافلة الروضة، لم تكن حافلة الروضة صفراء جميلة تقودها سيدة كبيرة السن كما نظن جميعا لمجرد ذكرها، ولكن هذه "الفورد" البيضاء غير المرخصة، وسأقها الجَلِف الذي يضعها في السيارة تماماً كأي أحد من الاربع وعشرون طفلاً الاخرين، ويذهب لجلب المزيد، تنظر لنافذة البيت في الطابق الثاني، وتتسائل "هل ستذكر أمي أن تطعم الاسماك، آه هل كان علي أن أنسى لإزعجها بهذا، لكني انشغلت بترتيب سريري، الذي سأجله عليه وخالتي عندما تزورنا اليوم، ولن أدع ابن عمي أن يأخذ غرفتي، فهو أكبر من سريري لماذا دائما يقول لي أريد غرفتك وسريرك، هو لديه غرفة وفيها سريره يناسبه تمام لكنه يريد هذا، نسيت أن أنظر الى حبات حمص زرعتهن على شرفة البيت" 
وتنتهي الطريق قبل ان تنهي ما تفكر فيه، وتسأل معلمة الفنون إن رأت بطاقة المعايدة قد أعدتها لأمها فقريبا سيكون عيدها فهي لا تعرف الفرق بين عيد الأم أو الثامن من أذار لكن تعرف أنه أقترب وتعد له العدة، وتجاوبها المعلمة؛ جميلة سأحفظها لك في مكتبي لحين العودة من رحلتنا، وتنطلق الرحلة من مدرستها بحافلتين كان مقعدها في الحافلة الاخرى، لكنها أصرت أن تجلس مع معلمتها لحبها لها، وتنطلق،،، معلمتها بقيت واقفة في بداية المسير من عناتا لتتأكد من أن الكل موجود وأن الكل لا يحتاج لشيء، وما أن جلست مكانها تماما بجانب الطفلة الصغيرة في مقدمة الحافلة، والطفلة الصغيرة تنظر لها بإعجاب، أريد أن أكون مثلها عندما أكبر سأصبح "مس"، ومعلمتها ترى هذا الوحش الحديدي المستهتر يقترب من الحافلة، يقترب أكثر تضم صديقتها الصغيرة لتحميها، تصرخ على السائق، تلعن أدارة الروضة، ولم تستطع تكمل حديثها للحريق الذي حصل.  
روحها كأي طير من طيور الجنة، تتسامى في السماء تدور تدور باحثة عن غيمة تأخذ بيدها لتدلها على حريق الحافلة، وتسأل الله في طريقها إلى الجنة أن يخفف الازمة الخانقة على قلنديا، وتنظر الى الاسفل من هناك في السماء بعيداً، لترى شعاعٌ أصفر لم تعرف ما هو ولماذا يشع بهذه القوة، وتذهب. 
تفتح عيناها ببطء واضعة يدها على رأسها تنظر حولها، إلى الحريق والى الطفلة بجانبها، وترها لا تتحرك، ترجوها أن تحرك فمها، يدها، عيناها لا شيء، أبتسامة خجولة ، شعرها مرتب فقد قصته لتذهب لعرس أختها الكبرى في نهاية الاسبوع، عيناها تنظران نحو المعلمة لونهما اسود،،، معلمتها تيأس من مناداتها وتقول لها؛ حبيبتي أستريحي أنت هنا أن سأأخذ بطاقة المعايدة لأمك.  

2.12.2012

المخرج انا ولا أنت؟

أستيقظ صباحاً بعد أن رن المنبه بما يكفي لكي تستيقظ مدينتي كلها، خمرية أريكتي التي كانت قد أحتضنتني هذه الليلة بدلاً من السرير، التلفاز لايزال مفتوحاً على قناة لست أعرفها، وصلت إليها لا أعرف كيف بعدما أنهيت ما كنت أشاهد، لابد أن أحمل نفسي على مضض لإعد كأس شاي صباحي فوحده يدخلني في عالمي الحقيقي، فهو برزخي الصباحي، وقبل أن أبدأ الرحلة الطويلة كان علي أن أرفع الاشياء، حاسوبي اللعين وسلكه الذي يلتف حول رجلي وهاتفي المحمول الذي كان يجب أن أضعه في الشاحن، وحتى سماعات الاذن من حول رأسي والجراب المتبقي والذي خرج نصفه من رجلي، ودفتر كان مكتوب عليه نص الفلم ولم أقرأه، الارجيلة من أمامي لإنطلق.  
أدخل للإستحمام فمياه ساخنة في مثل هذا الجو تمحوا تعبنا وخوفنا، وتطفئ شهوتنا قليلاً، ولا سبيل للمياه الساخنة، وأرزح تحت طغيان المياه الباردة سبع دقائق من يومي العادي جداً، أفكر لا أفكر، أموت أطيب، لا أفتح عيني لا أرى، أقرر أن أعترض فأصرخ باللعنة على المياه، والبرد والشتاء، في فيرد جاري مسرعاً "الله يلعنك أنت" فأضحك، أدفئ جسدي بما تيسر لي من مناشف وملابس وأذهب مسرعاً نحو المطبخ لإقلل من برودة الجو الخماسيني ولا أجد غازاً، فألعن الماء والبرد والشتاء والشاي والغاز ونفسي وجاري. 
ألملم أعضائي من الصالون رجلي وحذائي ولفحة يدوية الصنع، وسترة إسبانية، ومويايل برجوازي، وأخر تافه، كمبيوتر صنع في الصين لشركة يابانية أقتم اللون أسوده، هوية كانت وليدة إجتماع دولتين على سرير في ليلة نرويجية، وكل المتبقي لدي من نقود بثلاث جنسيات، وعلبة دخان فرنسية لا أدخن لكن يجب حفظها من أجل حالات غريبة، مفتاح البيت، بعض الاوراق وكتاب، أحضر نفسي جيداً للخروج، ولم يبقى سوى أن تدق الثامنة لمشاهدة الاخبار قبل الخروج،  أفتح الفيس بوك فكل ما الشاشة عن هدم الاقصى فألعن العدو والفيس بوك وحاسوبي، يتصل بي صديق حاملاً نبأ وفاة الكاتب جلال عامر، الذي منذ يومين أصبحت صحته غير مستقرة عندما كان في ميدان التحرير، فالعن الميدان والمجلس العسكري، أتصل بأمي وصوتها يحدث أول ابتسامة في يومي، وأعود للدنيا لأجد أن الاسير خضر عدنان ما زال أسيراً وما زال يعاني، ونحن ما زلنا نغني للمصالحة، فبأس من كنا, وبأس امة لا ترتجف لإضراب مناضل، أخذ قراراً مجحفاً بحق قلمي لن أكتب، قلمي اعذرني فلو كتبت ما أفكر به لأصبح لدينا ماسبيرو أيضاً أو يمكن أن ترسلني أنت للجحيم. 
أشرب من فنجان قهوة باردة على الطاولة كان من الليلة الماضية علي اهضم خيبات اليوم، وأمضي في طريقي. 
أتجادل وسائق التكسي عن الطريق التي عليه أن يسلكها، وأفكر وانا على الطريق بدوري، فدوري في هذا الفلم سيئاً فلست البطل طبعاً وأظهر في معظم المشاهد طويلة هي الحوارات في دوري، واحاول التركيز قبل الوصول. 
أدائي أفضل من أداء بطل الفلم، وحين تكون المحاولة السابعة من اجل نفس المشهد، يجب عليك أن تكون مستاء كأنسان، فليس ذنبي بأن البطل يخطء، فأقترح تعديلاًبسيطة في النص لا يفقد النص متعته وأنما يعتقنا من هذه الاعادة ويجاوبني الكاتب بأستغراب "هذا دورك، وهذا النص، ونصي لن يتغير" فأضحك، وأعترض ايضاً على بعض المأسي في الفلم كونها ظلم فأنهي حديثي مع الكاتب المخرج بأنه "هكذا ترضي أنت غرورك"، يكظم غيظه قليلاً ويدعونا لنكمل، ويأتي المشهد الذي يحب فيه البطل صديقتي فأعترض ايضاً قائلاً، "لا يمكن لعيناها ان تخدع المشاهدين، فعيناها لا تلمع بهما شرارة لرؤيته، كتلك عند رؤيتي"، فيقول المخرج بعصبية، "هو انو المخرج انا ولا انت "وأجيبه "الكارثة انو أنت".