10.06.2014

عمان, وأمور أخر

لما أرى عمان، هذا ما سارعت في قوله لصديقتي عندما زرت عمان لأول مرة، كتبت نصي في سيارة الاجرة التي أعادتني إلى بيتي، وعندما كنت في السيارة مرة أخرى لم أستطع الكتابة، عمّان كفوضى غرفتي، أحبها وتقتلني، تترتاح بتناقضها وتُزعجني. عمّان ليست حجارة، كحجارة قديمة بني بها بلاط الرشيد، ولا رخامية كالتي بني بها قصر يلدز، أنا رأيت عمان بكل تناقضها، كنسخة أكبر من رام الله، أقسى من رام الله، عمان ياصديقتي هي حالة، هي أشخاص قد لا أحكم عليهم كما أفعل عادة من المطاعم التي بها يأكلون، أشخاص قابلون للحب، حريصون على الابتسامة ما أستطاعوا اليها سبيلا، كما الرحلة التي تحبيها من أجل االرفقة، أحببت فيها كل شيء الملاك والزوار وأهل الدار، ورواد مركبي في الرحلة.
 لم يقتصر الامر على عمّان ياصديقتي، فأنت لا تستطيعي أن تنسي من شاركك الحديث عن النجوم في الصحراء، ولا من سار معك على عجلٍ لإدراك سحر البتراء، أو سار على جسر خشبي يسير فوق البحر الاحمر كشرفة تطل على وطنٍ لي ليس لي به ذكريات. في العقبة، أحسست في الغربة، رغم قرب أصدقائي، أنزويت، جلدت نفسي، أستحضرت كلما قيل لي في وصف البحار والشواطئ، وبكيت الشاطئ المجاور، الشاطئ لي، صغيرٌ جداً، جميل جداً وغريب جداً، أقتربت من المياه بحذر، تختلف ألوانها، مسكتها رشقت بها وجهي، شربت منها، فاجئني الطعم وشربت مرة أخرى، اخفيت دمعتي عن صديقي المصري وهو يصورني من الاردن وخلفي أم الرشراش وطابا قريبات كما الحلم، بعيدات كما الحلم. 
عمان يا صديقتي لا تستطيع أن تخلع عنها رداءها، ليس فيها وقت لطفل قد يضل الطريق، ليس فيها مكان لقصة عشق خجولة، ليس فيها أمل يُسقى بالتأجيل، لم تعبء بي تلك المدينة، لم تصنفني، لم تفرض علي مساراً، وكانت تُشرق شمسها أذا بقيت نائماً، لكنها لم تُشعرني في الغربة، ولم يكن يهمها أني ويمني ومصري ولبنانية وسودانية، نقف في صفٍ أردني بأنتظار حلويات حبيبة، ولم تفتش جوازات سفرنا حول مائدتنا في مطعم هاشم، ولم تغالي علينا في تشي تشي، فهي يا صديقتي كما البقية، يصبحون على أغنية لبنانية ويمسون على أغنية مصرية. 
سأتجاوز درس التاريخ في نصي، وسأحدثك عن السلط، فهي مدينة ذات رائحة تشبه نابلس، وأنت ستكرهيها ظلماً، فلبساطة المدن القديمة سحر لا ينتهي، لن تجديه في مدينة كالتي تسكنيها، وتمري في الطريق من بيتك إلى عملك، بمخيمٍ وفندقٍ ضاق بعدد النجوم، أن لا يستهويني الأمر، والسحر فيها يجري على ادراجها، كمُعمرة تدعونا لبيتها وتبكي قصصاً من القدس إلى حيها، ولو أستوت قدماك فوق جبال عجلون لرأيتي الدنيا في مستوى النظر، لا شيء يفصل بينها وبين فلسطين سوى الوهم والهزيمة. 
أنا لن أقترب من الحدود مرة أخرى، لن أنسى نصاً كان متنه أحدى وعشرون صديقاً لن أشرب مياه البحر الاحمر، لن أنغمس مرة أخرى في السعادة، لن أنظر الى قلب أحداً قد أجد به وطناً، فحساسية الحدود والاشتياق، والوطن قد أصبحت عندي مرضٌ عضال.

8.20.2014

الموتى أجدر بالقراءة


أنا تغريني الكتب، وتتبع عيناي الكتب حيثما وجدت، سواء عندي أكنت فضولي بهذا أم طبيعي، لا أستطيع أن أتجاوز الامر، وهذا ما جعلني أن أطلب من صديقتي أجندة من مكتبها كانت قد أصدرتها وزارة الثقافة في مناسبة يوم الثقافة الفلسطيني ١٣-أذار، لمن لا يعلم، في هذا التاريخ ولد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وأحتفالاً بيومه أصبح لدينا عرساً وطنياً لم أذكر بكل السنين السبع اللاحقة أن أحتفل به أحد. 
أما تلك الاجندة فكانت تحتوي أسماء الادباء والشعراء والفنانون الفلسطينيون منذ بدأ التاريخ، وسيرهم الذاتية، وكان ما يجمعهم أنهم كلهم موتى بإستثناء درويش. 
درويش على غير عادتتا كُرم قبل وفاته لكن ليس من القراء، المثقفون يقرئون ويعرفون في العادة، أما موجات الثقافة الغريبة التي تجتاج الناس فهي في العادة لأجنبي وجده الناس بالصدفة، مثل موجة جابريل جارسيا ماركيز، وباولو كويلو، وأحلام مستغانمي، وبعض الكتب القليلة التي تحدث ضجة في الوطن مثل كتاب "رام الله الشقراء"، تحدث قليلاً في مجتمعنا. 
بعد وفاة درويش، أصبح الكل يقرأه والكل يحضر المناسبات التي تخص ذكراه وتكريمه وتأبينه، أتنصب نقاشات الصالونات الثقافية والمجموعات في الوطن والشتات بمناقشة أثره، وبعد سنة أقتصرت ذكراه على بعض القصائد المتكررة على شاشة التلفاز الوطني، وبعض الاقتباسات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعية، و وجود كتاب أشعاره الكاملة المطبوع طبعة جديدة بعد الوفاة، في المكتبات الشخصية، أذكر أني لم أكن بحاجة لشراء مجلد اعماله الكاملة وقتها، أنا أخاف عن شاعرنا سميح القاسم من هذه الموجة الثقافية التي قد تكتسح أدبه وتحشرها في إقتباسات صغيرة نتناولها بلا تفكير بها، ولا بالتحقق من سياقها في متن القصيدة على حساباتنا الافتراضية، وأبشركم بتلك "أنا لا أحب الموت لكن لا أخافه"
وأخاف أكثر على الشعراء الاحياء أن يضيع حقهم في القراءة ويتأجل حتى موتهم. 
image.jpeg


---

12.14.2013

عما حدث في يافا

هي على الشط تغني، تغني ليافا، ولدلال وللبحر، وأمواج العجمي تتراقص بهدوء منتظم على صوتها، كصوفية تسير بهدوء بين الصخر والماء والزبد، وتلعب الريح بفستانها المزركش، بألوان متناسقة، والشمس ضاعت تحت أفق المتوسط، ولا نور على البحر سواها. 
هي على الشط تغني، وأنا على الشط ذاته بعيداً، لا أذكر يوماً قبله كنت بيافا، ولا أعرف عن ماذا سأغني على العجمي المرة القادمة، ربما عن بعدها رغم كل هذا القرب. 
أستذكر أسطورة إغريقية قديمة، وأنكر أن تكون أسطورة، فأندروميدا ما زالت على العجمي تغني، ولن يأتي اله البحر ليخطفها، أما أنا وبيرسيس لا داعي لنا قي مثل هذا اليوم، أندروميدا تنظر لي وتتذكر خيبتي، ولم أذهب كعاشق أسير معها على شط العجمي ونترك أنفسنا لجاذبية الابيض المتوسط. 
لا فرق بين هذا اليوم ويوم أخر قبل عام مضى، كنت قد تمنيت فيه هذا الشاطء وهي، ورحت في خيالي أرسم صورتنا وأن أحملها وأسير في المياه، أسير بلا إسمٍ أو هوية، أسير تاركاً قضيتي في حقيبة التصوير على الشط، أسير مهملاً الكلمات والشعر والادب، نسير فقط هي وأنا، ولا فرق سوى خيبة أحاول تجاوزها منذ آب المنصرم. 
في القدس، أمر عنها ولا تنظر ألي كأني غريب، مثل هؤلاء الجموع التي وقفت على قلنديا بشمس رمضان القاسية، يحاولون أجتياز الحاجز المريع، أجلس بقربها ولا تنظر، حتى الابتسامة التي حملها وجهها كانت تمثيلاً، وكحل عيونها كأنه محاولة لأخفاء العيون، لا ليست هي الذي كنت أعرفها منذ عام، وربما لست أنا الذي كنت منذ سنة خلت. 
بتثاقل ندخل المينا كلٍ على حدا، أقف لأصور سفينة ترسو على الميناء، وتمر عني دون أن تبدي رأيها في زاويتي، ونسير في البلدة القديمة التي كانت منذ عقود كبيرة، وصغرت بفعل الهزيمة، ونقف قليلاً قرب برج الساعة رابع سبعة أبراج بنين منذ مئة سنة، لم تكن الساعه تلك من ضمن ما تخيلت أندروميدا في مثل هذا اليوم الموعود، ولا حتى في ما تخيلت أنا، أما هي فتصعد في سيارة الاجرة قاصدة القدس وأبقى أنا مناجياً آله البحار الذي يسكن يافا أن يخفف عني وطئت خيبتي. 
في القدس، تقف، وقبة الصخرة خلفها تدعوا لي في "ليلة خير من ألف شهر" أن تعود لي الحكمة. 
وفي يافا، أرى العجمي رائع كما هو منذ مئات العقود، ولا ينقص من تفصيلاته سوى هي. 
نابلس ١٤. آب. ٢٠١٣

8.14.2013

"ضرب الحبيب زبيب"

"ضرب الحبيب زبيب"
هو العزاء الذي أقنعت به نفسي عندما جرحني الأبيض المتوسط. 

في حيفا، حديقة جميلة تطل على الميناء المشغول بآليات ضخمة، تحمل المستوعبات الحديدية لتنقلها من السفن الراسية بسلام إلى ذلك الرصيف المزعج، وليس الازعاج ما يليق بمدينة لم يزرها الشعراء ليكتبوا إبداعهم كما قال ناجي العلي، وهذا ما أبعدني قليلاً لأعتلي فوق الميناء وأطل عليه من علٍ، أمضيت عمراً وأنا أحلم بشرفةٍ على البحر، أراقب حركة السفن والملائكة في المياه الزرقاء يفصلها خط صغير عن السماء المسالمة، لكن في حيفا ليس عليك إلا أن تقف على رصيف أي شارع فوق حديقة البهائيين الجميلة، لترى تلك القبة الجميلة التي تكاد أن تضيء، وسط حقولٍ خضراء، تنتهي بذلك الحلم، أقف مبهوراً، على يميني فتاتين تلتقطان صوراً، وهما مثلي يقبعن تحت تأثير هذا السحر للمرة الأولى، وعلى الجهة الاخرى رجل وامرأته توارثا العداء منذ خمس وستين عاماً، وأصر على  إزعاجهم بطلبي منهم أن يتحركا لأصور فتاة جميلة تحمل أسم شابٍ أقصاه العمر بعيداً عن حيفا، ويتذكرها كل صباح منذ ثلاث عشرة سنة، في تلك الصحراء البعيدة،،، صحراء بعيدة وحيفا قريبة! ألعن سخرية القدر، وصاحب البيت الذي أرى شرفته التي تمنيت، وألعن زمناَ مضى جعلك تدفع ضريبته في تلك الصحراء. 

البيوت التي تمر بك وأنت في طريقك إلى كل هذا الجمال، تحمل طابعنا، تفاصيلنا، خصوصيتنا، وتحمل أيضاً أسماء عبرية، وسكان غرباء، وأشكال لا تنسجم وتاريخ المدينة، حيفا مدينة الشعر، ما عليك سوى أن تسكنها لتصبح شاعراً، فلو رأيت مثلي الأبيض المتوسط بين شجرتي صنوبر، وكتبت فيهما غزلاً، سيصبح بعد بضع سنين سلاماً وطنياً. 

خلف السور العظيم، أترجل من الحافلة، وأقف بجانب تاريخٍ له من العمر ما يكفي لإحراج الغزاة، فرنسا ما زالت تلعنه وتلعن نابليونها بسبه، ولولا أنني لا أريد لباريس أن تجد عزاء لنفسها لقلت أنكم تماماً مثل الآخرين "لا خبزٍ لكم في مثل هذه المدينة" فكل الجيوش تتكسر على أقدام السور، مثل الأمواج ولا يبقى سوى الزبد، ولو استطعت أن تقاوم السحر قليلاً وتنظر إلى الناحية المعاكسة للسور، لرأيت حاجَة تحمل صنارتها وتنسج صوفاً على شُرفتها القديمة، شُرفتها تلك ليست سوى جزء من لوحة تحكي قصص البيوت. 

ولو سرت على السور لن تترك باحة كنيسة إلا لتدخل في حرم جامع، أو هيبة منارة، آه منها المنارة، تلك التي ترشد كل الضائعين والقباطنة والقراصنة والهواة إلا أنا، كيف بربك تتركينني ضائعاً وعندما أجد نفسي أتوه مرة أخرى فيك ومرتين في لعنة الماضي، وتلك الفتاة تسير بجانبي تملك سحرين، سحر عيونها، وسحر اسمها الذي يحمل قصص وحكايات مدينة أخرى تسكن الشاطئ نفسه لو سرنا نحو الجنوب، أهمس لها أنَ كيف لي أن أجلب أولادي إلى المكان، كيف لي أن أقول لهم أني أريد التسلل إلى بلدي، كيف لي أن أبرر الهزيمة، كيف لي أن أورثهم حب البلاد ورائحتها وحجر كن حجار عكا، أما هي فتصمت، وأروح أفكر في نفسي أي هزيمة سيتعرض لها من أحب تلك الفتاة ومنعه الدهر عنها، وربما لهذا قررت مسبقاً أن لا يحمل اسم حبيبتي اسم مدينة أو قضية، فقلبي الهش لا يحتمل هزيمتين. 

عكا لا تصلح للشعر، فالشعر فيها هرطقة، ومجرد كلام مبتذل، ففي عكا ليس مثل الصمت تعبيراً عن الجمال، ولو رأيت شاباَ يقفز من فوق السور نحو البحر لا تبدي رأي، فهو يعرف البحر كما تعرف أنت وسادتك، لا قيمة للوقت هناك، فهو يذوب كما يذوب اسمك الذي تكتبه على الشاطئ بفعل الموج.  

بين حيفا وعكا، جلست أتبادل الحديث مع صياد، يضع قبعة فرنسية، وجعبة بيضاء ويحمل صنارته وطُعمَه، وينتظر الأمواج، لا أحتاج رؤية وجهه لأدرك خبرته، وليس بعيد عنا صياد أخر، يعلم أبنه كيف يقرأ الموج ويكتب المستقبل، لا أدري لماذا تذكرت ما قاله لي شاب في يافا قبل أسبوع أن الصيد في دمهم، ولو منعتهم عن الصيد سيموتون، أحقاً يورث الصيد، مثل العيون والوطن. 

أسير على شاطئ أسموه نهاريا بعدما صلبوا عليه قرية الزيب، لتعيث بها الغربان فسادا، ولأن التاريخ جديد نسوها، ونسوا أن الصخور الجميلة استقرت هنا منذ بدأ الخليقة لجاذبيتها، تلك الصخور التي قررنا صعودها وفقط عندها أثر الماء في الصخور التي أصبحت حادة كالسكاكين، وليس مثلي من يقاوم أغراء المتوسط لتجرحه الصخور، ويقول في نفسه "ضرب الحبيب زبيب" ويكمل الطريق.  

لو كنت أيها المتوسط جرحت قدمي لتذكرني بك تلك العرجة الخفية، اللاإرادية فقد 
أفلحت، لكن كيف لمثلك الافتراض أن سحرك في عيني قد يزول


. 


8.08.2013

سفر المحبة


هل تدخلين النفق؟ سألتها لا لتدخل وأنما كي لا تعتقد أني سقطت عن حافة الطريق الخطر، وكأنك تسير على صخر على شفا التكسر، والأرض بعيدة بما يكفي للقلق، ودخلت. 
 لا زوار للدير القديم، فقط أنا وهي، وفتاتين من ذوات الشعر الأشقر، عندما تتجاوز الباب المهيب عبر الحديقة الرائعة، التي تشعرك بأن كل من كتب مديحاً في المدينة كان عليه أن يأخذ قسطاً من "الجنة" فيها، يتراءى لك دير سانت آن الجديد، الذي بني من أكثر من سبع مائة سنة، ولكن السحر خلفه، أطلال الدير القديم، عميقة هي الأساسات، عميقة جداً لا يعبر عن عمقها أكثر من تلك الشهقة التي سمعتها منها عندما نظرت للأسفل، وأما السطح فهو بمستوى النظر أو أعلى قليلاً. 
 لا زوار في الدير القديم، فزوار المدينة انقسموا في بينهم، منهم من يزور كنيسة القيامة، ومنهم من يدخل المسجد الأقصى، أما الكنيسة (الصلاحية) فزوارها نحن، ولم أكن أدري أن كل هذا الوقت يأخذنا فيها، وهي التي وجدناها مصادفة في الطريق من باب الأسباط عبر شارع الآلام، أما الهواء الذي يمر بنا ونحن جالسين ناشدين شيئا من الراحة، كان لطيفاً في مثل ذاك اليوم الحار، وهي فرصة للحديث عن شيء سوى التاريخ.
هي تبحث بين الوسادة والفراش عن هذا المزعج، في ريف بعيد، تجده، لتطفئ المنبه، وتتصل بي لتيقظني، وتزهد بالكحل، وتفرط في الجمال، أما أنا فأحتار واحدا بين ثلاث قمصان، الآخرون يعتقدون أن لهن اللون نفسه، وأجهز الكاميرا ليوم طويل من التصوير، وأخرج. 
هي تعتقد أني سأكون دليلاها للقدس، وتسير بارتباكها من جنين حتى باب العمود، حيث يختلف كل شيء، ويصير الحاضر مجرد سفرٍ قيد الكتابة في كتاب مقدس، أما أنا فأريد أن أغرق في تفاصيل الحروف التي كتبت سفر التكوين، وهي تبحث عن تكوين جديد يصهر علاقتنا، ويعيد تشكيلها لنصبح أقرب. 
خان الزيت، أعداء، حاجتان تبيعان الخضار البلدي، كهل أمام متجر صغير، سيدة تحمل لأمها كرسيا وتتوهان في طريق للصلاة، سياح شقر، القيامة، الخالدية، السلسلة، وفي نهاية هذه الطريق على الباب تقف بقلق خلف الجندي الذي يسألني أسئلة بلا معنى.
أربعة خطوات أسير وأقف دقائق كأني أقف في حضرة السلام وطني، وهي كانت حريصة أن تصلي في مسجد هو أحدى ثلاث "لا تشد الرحال لغيرها" أما أنا فكنت أنتظر خروجها خلال التقاط بعض اللوحات المقدسية، وسرنا في الحرم، كما لم يسر أحد من من حولنا، ونتهامس أحيانا كي لا نزعج هذا الحاج الذي غفى وهو متكئ على جذع زيتونة، وسرنا حتى تجاوزنا باب الأسباط إلى هذا الدير، وأكملنا من بعده المسير نخرج من باب وندخل من آخر، تارة في وقف وتارة في بيت وأخرى في تكية، حتى حفظت الطرقات والأبواب وابتساماتها. 
رام الله، وعقارب الساعة تنبئ بيوم جديد عما قريب نترك كل الأسفار، والحديث الجميل في ذاك المقهى الفظيع، نبدأ سفراً جديداً ونتفق أن لا نكتب فربما أحد المستشرقين سيكتب بعد سنين تلك الحكاية.

8.03.2013

مقدسية


على الدرج، بين قبة الصخرة ومسجد الاقصى، وبعد أنتهاء الحديث الرائع مع جميلتين لم أعرفهما من قبل أحداهما تملك أبتسامة ساحرة، والاخرى يكتسي وجهها الخجل، سرت في الباحات يخالجني شعور غريب، أتعرفون كيف يشعر من فقد رجله، أو أحدى يديه، هو هذا الشعور الذي هيمن على نفسي. 

داخل القدس العتيقة، كنت أسابق الوقت علي أمر بكل الطرقات، بكل المساجد والكنائس والاديرة والتكايا، وأن لا أصل لما يدعى حي اليهود كان تماماً كالفقد، لا أذكر كم مرة تجاوزت القدس، لأرى ذالك النور عندما تستوي قدماي في طريق بيت لحم، كم كان أملي ضعيف أن أراها بكامل هيبتها، بحجارة أقدم من التاريخ، بذكرى كل أولاءك الذين درسنا عنهم في المدارس، وسمعنا شيوخ المساجد يتحدثون عنهم في كل خطبة. 

في الطرقات أسير ويملأني الخوف، لا أريد أن يعلو صوت خطواتي فأيقظ ملاكاً يستريح، ولا أريد أن أمر بين أطفال يلعبون كرة القدم في "زقة"، خائف من أكون نشازاً في تقاسيم المدينة، بحذر أطرح السلام على الناس لأني لا أريد أن تلتهي تلك السيدة عن مفاصلة بائع الملابس في الجهة اليمنى من خان الزيت، ولا أريد لهؤلاء القوم ذوي الوجوه البيض والشعر الاصفر أن يلتهوا بي ويضيعوا ما يقول لهم دايلهم السياحي. 

طوال الطريق، وأنا أدخل زقة لا أعرفها وأخرج حافظاً لما دخلت، أتذكر ذلك الجندي الاسرائيلي الذي يحمل هاتفه الذكي، وسط الفلسطينين، ولا يرى أحد، لا يرى أحد أبداً، وربما يرى ولا يأبه، أحقاً يمكن له أن ينعم بما يكفي من السلام وهو عدو، وأنا أسير غريباً !!

عن القدس لا أستطيع أن أستعير من قاموسي كلمات جميلة، فليس الكلام قرباناً كافياً، لوصف تلك الطرقات التي تفوح منها رائحة التاريخ، والزعتر البري، فحتى شياطين الشعر لا تجدها في القدس العتيقة. 

يوقفني ليسأل، جندي أخر، وليس لي إلا أن أجيبه، إلى أين تذهب؟ 
ألعن خمس وستون سنة مضت، أرغمتني أن أنقل نفسي من فصل التاريخ إلى فصل الهزيمة، لمجرد سؤال من جندي أبله يقف على باب السلسلة، يفتش حقيبتي، وعدستي، وعيني، يبحث عن أبتسامتي التي أنتظرها منذ سبعة عشر سنة، ويصادرها، يبحث في هويتي عن أخوتي، وفي جريدتي عن كلام سوف أكتبه، أو صورة قد ألتقطها. 

أتدرون كيف يشعر الكفيف، تماماً كالذي يسير من أمام باب الاسباط، ولا ينظر لعظمته لأنه لا يريد أن يرى الجنود، يشوهون كل ما حدثوه والده وجدتيه عن جماله. 

وهناك أيضاً تعلمت الحسد، ليس فقط من حجر كبير أو صغير في سور القدس، أو من وردة جميلة نبتت في حائط كنيسة بنية منذ ألف سنة، أو من هرة تستلقي بهدوء في ظل شجرة زيتون كبيرة، أو من تلك الفتاة التي قالت بلامبلاة في أخر هذا الزقاق بيتي. 

في طريق الالام متوجهاً نحو باب العمود، كنت أخطط كيف سأحدث عائلتي عن هذه المغامرة الجميلة، كيف تجاوزت الحدود بعد سبع عشرة عام لأرى مدينة دخلتها طفل، بإستهتار العاشرة من العمر، وكنت فيها كمن يقرأ نصاً بلغة غريبة، لأذكر شيء. 

قضي الامر، والتفت ورائي لأرى باب العمود، ما زال كما كان، تصعد الدرج وتسير قليلاً لتعود للحاضر، وليس مثله حاجز قلنديا، يضربك على رأسك لتعود للحقيقة، وتبدأ بالتفكير، أن أي ذنب قد أقترفت هذا اليوم، كيف لي أن أعيش مع كل هذه القهر الذي عشته في تلك الساعات التسع الاجمل في عمري. 

======
السبت ٢٥ رمضان 

3.05.2013

في غياب حضوره

لست أدري ما الذي دفعني لكتابة مثل هذا العنوان، لست أدري كم كان هذا اللقاء مميزاً. 

الساعه الواحدة إلا ربع أصل اليوم إلى أمسية الشاعر الكبير سميح القاسم، القاعة فارغة جداً، شاحبة جداً، لن أخفي عنكم أحباطي الشديد اليوم لأن القاعة فارغة سوى من خمسة عشر شخصاً بإستثناء القائمين على الحفل، وفرقة الكمنجاتي الرائعة، وضل الفنان اياد ستيتي وفرقته يعزفون حتى الواحدة والثلث عندما بدأ الناس بالوصول، حتى أمتلأت القاعة بغضون خمسة عشر دقيقة، كانت الامسية يُفترض بها أن تبدأ الساعة الواحدة، لكن الحاجز، الذي طالما أرهقنا، أخر عنا الشاعر سبع وأربعون دقيقة. 

بدأ الحفل كالعادة بسلامنا الوطني، الذي وأسفي رأيت بعض أنتهاكٌ لحُرمته، من شخص هنا وسيدة هناك، ومن ثم تحية الشهداء والاسرى، وترحيب من أحمد القسام نيابة عن محافظ جنين، الذي تعذر حضوره، حتى بدأت موسيقى الوطن تدب في الجمهور، بموسيقى الكمنجاتي، على ألحان أناديكم، منتصب القامة ويا بحرية. 

بتثاقل صعد الشاعر القاسم إلى مسرح (الأمير) ولم يفقد روحه المرحة التي أعتدتها، حيث وضع يده بخفة وحب على رأس مقدمه، وذهب يتكلم شعراً، (تقدموا، البيان الاخير عن واقع الغزاة الذين لا يقرؤا) وأعتذر بلطف في جملة رددها أكثر من مرة مسبقاً، (بقولولي عندك مرض، جاوبتهم عندي مرضين الاول خفيف اسمه سرطان، والثاني صعب اسمه احتلال)، وبعد تكريمه عاد لطاولته كي يوقع بعض كتبه كما مخطط له، ولم يستطيع وغادرنا الشاعر الكبير هناك. 

قبل أكثر من أربع سنين تكلمت مع الشاعر لأول مرة، كان كل شيء مختلف، كان شاعرنا روحه أكثر أصراراً على الحياه، كنت واقفاً أمامه بإحترام الدواوين العميقة التي كتبها، وأصراره الدائم على البقاء في الوطن، رغم كل مضايقات الاحتلال، كل هذا كان في ذهني وأنا أمامه وأكلمه سائلاً منه توقيعه لكتابي (عجائب قانا الجديدة)، جاوبني بضحكته الجميلة "طب هات اوقعلك شايفني خايف منك"، لم أكن بحاجة اذكرى أجمل من هذه تجمعني بشاعرنا العظيم. 

أنا قبل قرون 
لم أطرد من بابي زائر 
وفتحت عيوني ذات صباح 
فإذا غلاتي مسروقة 
ورفيقة دربي مشنوقة 
...

لم أزل أردد هذا البيت منذ الاعدادية، والذي علمونا بفخر شعره.
في المرة الاخيرة كنت أعرف أني سأراه لاحقاً، لكني اليوم لست متأكداً، مضى قبل أن يودعني. 

شكراً لكل من كان له يد في مثل هذا الحدث الجميل. 


2.20.2013

رام الله المثيرة

سيدتان محتجبتان تتبدلان الحديث بلغة روسية تحت نخلاتٍ باسقات، والريح تلعب في جرائد النخل كما تلعب بنا، ليس بنا فقط، وإنما أتجاه الكلمات، فتارة أسمع الحديث، أذا ما كانت الرياح غربية الاتجاه، وفتاة تمر لا مبالية من بينهما وعربة الطفل منشغلة بهاتفها لا ترى من الطريق شيء، وأنا أقف منتظرا بعض الاصدقاء، وصدفة جميلة تجمعني بأحدهم. 
ربما مروري أمام درويش كان اليوم، لأني كتبت عنه ذات صباح، عن أشخاص يمرون في مسيرهم من خلال الزجاج، وربما سأكون بطلاً أو ذا دور ثانوي في قصة أحدهم، وربما لم أدخل لكي لا أسمع قصص تعيسة، وطاولات درويش يملأها الحزن والكاسات قد ثملت من التعاسة، وفي جو كهذا ربما تسمع ما يتكفل بأفراغ رغبتك في الحياة. 
كل شيء في رام الله يعتمد منسوب التعاسة العام، ولا أدري كيف تغير طعم رام الله منذ آب، لكن الامر لا يحمل من الاهمية قدر كبير فقد تعود طعمه. 
لم أزل لا أحب زينة عينيها رام الله وكيف تبدو ساحرة أنيقة بأتزان، تغريك بنفسها خطوة خطوة، وليس عليك سوى الغوص في جاذبيتها قليلاً، لتدرك أي ذنبٍ قد أقترفت. 
فلا مكان فيها لك ولا لي أيضاً ولا لنص مثل نصي يكتب في مديح جمالها الخادع، وهي التي لم تضق بالنمر الصفراء التي تنهكها وتنهكنا، وكأننا نعيش في عالمين، بقوانين وحقوق وواجبت مختلفة، بربك هلا ترفقين بنا قليلاً، علنا نغير احاديثنا على المقاهي، ولا نسمح لعقولنا بالعنصرية التي أنت أوجدتها، أو تتركي لنا هم أخر غير تحديد مراتبنا فيها، لا تعاملي كلن منا بمكيال، فلست أريد منك سوى بعض الدفئ لأقضي يوم واحداً في حضرتك وربما يومان. 
دعك من الاغنياء والمثقفين والغرباء و... و... وأعيريني قليلاً من الانتباه، أنا الفلاح الذي أصلك بعد طريق طويل، ولست أريد منك سوء أجازة من التعب أستريح بها مع رفاقي ونضحك، بربك هل من الصواب أن نمضي حديثنا بالحديث عن مزاجك الغريب، المتقلب، في الحديث عن حاجتنا لراتب أضافي لنواكب سعر الطعام والشاي وجلسةٍ في مقهى قديم. 
بربك رام الله أزيلي عن عيناك الكحلة الجميلة، وأبقي كما كنت،أو كوني كما أنت، ولا تزعجي مزاج فلاح جاء من الشمال، سميته أنت بلقب جديد، رغم كل حبي لك رام الله أكرهك. 



12.30.2012

الى شاعرة

الى شاعرة 

أزدياد الفراغ في مدواة حبري، يقلل من مجاراتي لشعرك، والفراغ يزداد أيضاً في خيال الكلمات التي طالما أنبلجت مثل صباح السادسة، لكي تقع عليها عيناگ أنت، وترسم أبتسامة على وجهگ المتفاجئ من حُلم. 
أن لا تحشريني في نصوصك، ربما يكون جدلاً بيزيطني حيناً، أو رجاء، أو بعثٌ جديد، أو بين بين، هو أن لا تصلبيني في قصيدة، وتجلديتي في الكلمات الجميلة التي تخطها أصاعبك على لوحة المفاتيح في برد رام الله أو في دفئ ريفگ الرائع، وأنت التي تعرفين دون سواگ أني متابع، وما زالت الدهشة تكتسيني منذ آذار. 
لكن أعلمي أني قد أدمنت الجلد على ذات الحائط، وابحث عن البعث من جديد. 


10.24.2012

رسالة وساعي البريد

كانت خطواته سريعة يسابق الوقت لكي يوصل الاخبار والهم والفرح ليوصل دمعة وأبتسامة، كم كان فرحاً بدراجته الجديدة لكي يوفي حق الرسائل التي تكدست في مكتبه، ومؤخراً قلت الرسائل من التكنولوجيا التي جعلت عمله يضمر، وهو ايضاً حتى مات. 
قبل ان يذهب ترك لي رسالة، رسالة منك ربما لم تكن لي وحدي، وكأنك تريدين أن يقرأها كل العالم، وكنت غير مهتمة إلا بكونها رسالة كتبتيها وأعجبتك. 
صدقي بصعوبة التصديق أني لم أقرأ من رسالتك سوى بعض الجمل التي افسدت لي مزاج ليلة جميلة في مكان مزاجه لطيف، ومن شدة أستيائي من نصك قررت أن أكتب بعض الكلامات التي لن ينقلها ساعي البريد. 
أريد أن أقل لك، أنه بأمكانك أن تقنعي نفسك أن الذنب ذنبي، وكل ما حدث كان مني لوحدي، ويمكن لك بأسلوبك الجميل بالكتابة والحديث أن تقنعيهم أني كنت أدعي حبك، واني ابحث عن اي انشغال يلهيني عنك، وأنت التي تعلمين أن الواقع ليس كذلك. 
لقد تعبت من الاعذار لحماقة لم ارتكبها، أو عن همٍ أتى في موعد غير مناسب، أو عن رسالة لم تصل لهاتفك من غير موعد. 
ومن عذري لكي امام نفسي عن عدم صبرك، وأنت التي قلتي أني علمتك الصبر "داي داي" أسفاً أن اقول أني تعبت منك. 
لن أدخل بتفاصيل حياتي الرائعة بوجدك التي لم أستطع حتى اليوم معايشتها من دونك. 
أبقي كما أنت فأنت رائعة، ولا تلموميني لأني ببساطة هكذا، وأنت التي تعرفيني تماماً. 
كوني بخير، وأبقي أذكري بعض الجميل مني لو وجد. 

9.05.2012

وطن

 كأنه وطن، ما يرسمه وجودك، يحده من المستقبل (أبد) ومن الحاضر قليلاً من الانتظار ومزيداً من الياسمين، وتسكنه رائحتكي أنت، وضحكتكي الرائعة، وطن كل ما فيه جميل، وتحرسه أربع عيون، أثنتين منهما خُلقت لمديح عيناك، فكل ما يكتب في غير جمالك هرطقة، وكل ما لي أنا، أن أترك نفسي للتماهي في ثنايا وتضاريس وطني الجميل.

في ذلك الوطن، مقعدٌ خشبي له من الظروف ما ليست مثالية، فليس هناك بحر يطل عليه، ولا منظر جميل للغروب، وليس أجمل من أرتباطه بك، عليه لو جلسنا أنا وأنت، لا تظني أن يدي التي تمتد على ظهره بريئة كما تعتقدين دائماً، ففي الامر شيٌ من نفس يعقوب.

في ذلك الوطن، ياسمينة تتساقط زهورها في انحاء الوطن، كأنها تفرش سجاد أبيض لذيذ اللون والرضى على مدخل البيت، وفلٌ أبيض أيضاً متماسك، وأخر بلدي يتتطاير عندما يتفتح، وسور من القرنفل.

في ذلك الوطن، يتوزع اليوم على سبع أوقات لذيذة، ينتهي بمراقبة القمر الساهر من على غربي حدودنا، ومراقبة جمال عيناك ليلاً، ومشاهدة الغروب، ومحاولة -ستبقى فاشلة- في الابتعاد عن سحرك قليلاً، لكي أعود كالباقين قليلاً، ولا أستطيع، ووقتين لا يتسع الحيز الضيق لذكرهما، وتبدأ الاوقات في أرتشاف العسل ورائحة الارض والزعتر وطعم اللذة من شفتيك وقت الشروق.

في ذلك الوطن، يختلف معنى الموسيقى، فالعود والكمان والقانون مجرد تحف نزين بها صالتنا الجميلة، تماماً تحت البرواز الذي يحمل ضحكتكي أنت يتربع العود وقد تقاعد، أما الموسيقى فهي أنت، والسمفونيات كلامك، والسوناتا، ضحكتكي، والتقاسيم عيناك، وما تبقى سيبقى "إرتجال" لا حاجة للأخرين أن يدركوه.

ذلك الوطن يختلف قليلاً عن وطنكم، فهو قائم على الصدق، فكل ما أحكيه صادقاً وكل ما أسمعه صدق، ليس فيه أشياء كان يجب أن نعرفها، فليس للمفاجئات فيه وقت، كل هذا نعرفه في وقته تماماً، أعذورني أن اخفيت بعض الامور أو تجاهلت بعضها الاخر عندما أعود لوطنكم، ففي وطنكم أنتم تريدونني كما تتخيلون، أما هذا الوطن يريدني كما أنا.

في ذلك الوطن، أمر غريب فاليل الايام أجمل وأكثر متعة، فبعض العتمة تبعث الكلام الجميل، وأيضاً شفاء لعينين أدمتهما غربتهما في وطنٍ أخر، وخاصرة تبحث عن طوق من يدا الحبيب بشدة أكثر، وعن جنون يلقي بظله على شفاه بطعم الارض والرغبة، وتبدأ الشفاه والجنون أيضاً بالهذيان، في ذلك الوطن فقيه، يدون ما يدور في كلام شخصين وقعا بمرض الشعر ودواء الحب، وتضيف على شعرهما رائحة الريحان وليلة القدر، أو تغريدات عصفور ايقظه أقترابهما من عشه، وأيضاً يضيف أكثر خصلة من شعرها لذيذ الملمس، عندما يلامسه ويتغير بعد شعرها الوزن واللحن والقافية.

في ذلك الوطن، كل شيء قابلٌ للقسمة، فلقمة الخبز لك ولي، والاحلام لك والسهر لهدوء عيناك لي، والادب لك والقراءة لي، وجمال جسدك لي وعيناك الجميلتان أنا لهما، كوطن يمتد بين أنا وأنت، على طول المسافة بين حب ووله وإشتياق وبعض العتاب.

آه منه هو العتاب، كم يقتل في نفسي من الجمال، من الهوس؛ كطفل صغير تهوس لإنتهاءه من الخربشة التي يدعي انها رسماً، ويأتي يريها لإحد ويهمله، كذلك العتاب يفعل في نفسي، لكن هذا كله مجرد ذكريات لي من وطن أخر.

في ذلك الوطن أمر عجيب، فمصطلحاته تختلف عن أي وطن أخر فما نسميه حوار تسمونه أنتم شعراً، وما نسميه محاوله تسمونه أنتم معجزة، وما تسمونه أنتم خيال، أسميه هي.

في ذلك الوطن؛ الجمال ما تعكسه الروح على العين، وما يعكسه التفكير على الفم، وما يعكسه وجودك على مساراتي.في ذاك الوطن تعريف مختلف للأحلام، فلو لم تأتين بأحلام النوم، أستحضرتك لأحلم النهار، في ذاك الوطن الاحلام أنت.

في هذا الوطن الذي أحلم به منذ الابد، كل ما حدثتكم، وأكثر من هذا ما أريد أن اخفي، وما لا يعرفه أحد سوى طائرين أحداهما أزرق والاخر أخضر.

في هذا الوطن لا مكان للتلفاز فأخبار الحروب والقهر قد نالت منا بما فيه الكفاية، وأنباء المأسي أستهلكت من وقتنا أكثر مما نستحق، وقد نبني أحياناً أملاً في ثورات عالمكم أكثر مما ينبغي، كمصر أو تونس، ونتأجها تحبطنا، وتأخذ من وقت قصيدة غزلية بحضور زهرة تحبها مليكتي، فلا وقت للأمس، وما في اليوم أهميته موضوع قابل للتفاوض، فكل "الحياة مفاوضات" في وطنكم، أما في وطني فلا شيء مثلكم، فجمالها مُسلمة وكذلك عيناها، وتباين اللوان زينتها، ورائحة العطر التي تجعلني أقرب.

 

في ذلك الوطن هي، ... وكفى

 

*خاطرة بدأت في 27.7.2012 حتى 11.8.2012

 

7.16.2012

ماذا اهداني وطني؟

بعض النصوص رائعة بما يكفي لكي تستفزك، وتروح الكلمات تسيل من قلمك كفيض لا ينضب، ماذا اهداني الوطن؟ نص للشاعرة أيلان ابريغيث.

ماذا اهداني وطني؟ 
كطفل تسلق أحجار الحدود 
خلقه الله بين قهر القريب وقهر الجنود
أسأل الله صباحاً ومساءاً أن يتركني الهم 
وأملاً أن لا يعود 
أهداني وطني 
صوت أمي التي أكل الوطن يداها وهي تزرع وتحصد 
وأحرقهن عندما ألقت قنابل المسيل على جبروت الجنود
أهداني حبات لوز، خضرٍ وأخرى يابسات
يتركن في فمي طعم الارض 
ومزيداً من الوعود 

أهداني صورة الطفلة - أبنة عمي - تبني بيتاً على مياه البحر 
غير مكترثة ان بيتي وبيت أبيها يفصل بينهما جدار وسلك شائكٌ وحدود

أهداني قوة أبي 
وهو يقاتل من اجل ضحكتي طفلاً وشاباً 
كدرسٍ في الصمود

أهداني علم ذا اربعة اللوان لُف به شهيد 
لأعلقه فوق باب بيتنا 
أهداني تينة تخرج من ثمارها عسلاً 
تُفرح أهلنا 
أهداني شجرة زيتون لها تاريخ وحكاية 
تماماً مثلنا
أهداني أصراراً 
-لم يكن مثله أصرار- 
لأقاتل الجنود أذا ما أنتهت مدرستي لأعود لبلدنا 
أهداني عينان لأرى ما لنا 
أهداني أقراص فلافل 
نأكلها أنا وأنتِ ولذتها تنسينا همنا
أهداني 
لغتي وعلمي وقضيتي 
عنفي وطيشي وحكايتي 
قدري وأملي وأحلام كثيرة 

أهداني معولاً وقلماً وبعض الذخيرة
أهداني أرض -سُرقت- فيها من عرقي
أنا وأبي وجدي و...
ومن أجلها نقاتل لأحلامنا

أهداني نصكِ أنت 
الذي فيه من الاحباط 
ما لا أحتمل 
وفيه من الحقيقة 
كلها
ولا يكتمل 

اهداني تجاعيد وجه جدتي 
الذي يجتمع فيهن الفرح والحزن
كوطنٍ كاملٍ
لا يجمع بين أرضه وأمله 
حتى اليوم 
ويأبى عنهما أن ينفصل 

أهداني نفسي
وصبري وتعجلي

أهداني قليلاً من البؤس 
وكثيراً من ثمار التوت
وليلٌ طويل 
ووعد -منه صادقاً- أن سوف ينجلي
 

7.09.2012

هي والياسمين وشبه نص.


تدخل كل واحدة منهن على حدا، وكانهن يعرفن الطريق، بتسلل أو على عجل او بهدوء الواثقات، يتوزعن بترتيب عشوائي، فواحدة على الاريكة وأخرى على طاولة صالتنا، وهنا وهناگ، والاخيرة سارت طول الطريق بثقة لتستوي على صدري، وتجعلني ... .

يسير بها فكري لكِـ أنت وكأني أريد أن أخبرك عنهن المزيد، فيا جميلتي هن يفرضن علينا مسارهن في البيت، لا نهملهن ولا نفرض عليهن مزاج بيتنا فدخول أزهار الياسمين كالقدر، ليس هناك منه مفر، ولا يترك لي خيارات سوى الاستمتاع، والتفكير في عيناك. 

كليس غيرها زهرة الياسمين تذكرني بكِ، ومن حسن حظي تلك الياسمينة التي تتسلق بيتنا حتى اصبحت كحجارته وذكرياته وأمل، اخاف من الورد يا حبيبتي فله تأثيرٌ لا يزول، تماماً كأحتضان كفين بخجل أو ملامسة...، أما أنت فليس لك إلا ما تبقى مني، بتيهي وطيشي وقليل من الاحلام وكثير من الواقع، لك ما تبقى مني، وقد عرفت بك ما تبقى، وعرفت ما قد ضاع، وبلا قصد منك عرفت أني أضعت من عمري انشودة الصباح عندما أنتظرت ردك على رسالة وكان النوم قد أخذ منك جمال العينان المبصرة الشاشة الالكترونية في تلك الليلة، لأن حتى النوم يريد لعيناك أن ترتاح من تناقضات المدينة ويحفظ نضارتهما ليومٍ جديد، أما أنا قد تُركت ملقاً أراقب عصافير الصباح، وأفكر أكثر بيوم أجمل.  

أكره مدينتنا يا حبيبتي، فمن رائحتها تشتمين النميمة، وليس لها غير مراقبتنا ونحن نعبر الشارع، تنظر الى عيناكي فتعجز عن التفسير، وتنظر لعيناي وتجد فيها المزيد من الكلام، ما بال هذه المدينة تحرمنا لقيانا وفرحنا وكأسي الشاي المختلفين، وليس لي سوى أن حبها، لأرى وجهك، وألمس كفك يدك -كمثل عن غير قصد- و... . 

6.08.2012

مع درويش مرة أخرى

مع درويش مرة أخرى

درويش يا حبيبتي مزعج، تمام كدوار المنارة، الذي يسكن فيه، وعلى غير عادتي  لم اطلب التمباك، وأبقى متمازجاً مع ازعاج درويش والشارع، والمارة الذين يبدأ مسيرهم ببداية الزجاج على باب المقهى وينتهي مسيرهم بنهايته، بلا قصد اراقب سيدة فلبينية تمر من الطريق كأنها لم تفهمه، وفتاة امضت وقت طويل في تنسيق لون مكياجها ولم تتذكر تنسيق الوان ملابسها، وطفلة صغيرة تطلب المال من رواد درويش، ورجل يجلس على الطاولة المقابلة، يجادل رفيقه ليجد طريقة ليأكل حق (خواته) بالميراث، واقضي قليلا من الوقت انظر للافته كتب عليها (مؤسسة نابلس التجارية) تذكرني بـ (شورما جنين) ، وبائع خروب يلبس زي المهنة التقليدي مع نظارة (ديزل) وعلم العاصفة على رأسه، يفخر به تمام كما يفخر هذا الحاج بحطته الفلسطينية التي يثبتها بعقاله. 
حبيبتي اكثر من مرة اجلس هنا لأجد هوية رام الله، لأقترب منها قليلاً، وكل مرة لا أجدها. 
وبلا قصد مني كالعادة تذكرت شوقي، واشتياقي لك، وانا الذي لا أعرف الاشتياق لأنفاسك التي أكاد أعدها، ولنبضات قلبك التي تتسارع عندما تنظرين الي في ذلك المقهى اللعين، لثقتك وأنت تسيرين بجانبي في الطريق، لتفاصيل انا لا أستطيع محوها من ذاكرتي. 
تماماً بجانب الشارع في درويش أجلس وحدي كعادتي،أراقب المارة، كل يسير لمأربه ربما لست وحدي الذي انتظر هاتفاً في أضطراب مركز المدينة الذي لم أجده جميلاً حتى اليوم، سوى مرة كانت في الخامسة صباحاً وكان فارغاً ليس فيه من البشر سوى أنا ورجل انيق كأنه قد خرج للتو من قصيدة رائعة. 
في التكسي عند دخولها أنظر الى بناية كان لك فيها ذكريات، كان لي فيها أنت، وأتابع المسير، وعند الخروج منها، أشتم خطأ مطبعي في متن القدر أوجب علي المسارعة للخروج والخروج عن جاذبيتك يومها لتداركه. 
أترك درويش يا حبيبتي ولم أكمل نصي...، الذي لا أعتقد انه سيكمل ذات يوم، اترك درويش الذي لازال مقهى شعبياً ملقاً على هامش الطريق، وأحمل كل ما لك وأسير في الازعاج لست كالاخرين، فهناك ابتسامة على وجهي لرؤية وجهك الذي لا يفارقني. 

5.04.2012

عندما تصبح المقاومة ديناً


 الى صديقي أنس حمدالله 
وكل من يهمه الامر
في الرد على ،،، الله يرحمك يا ماركس 


لن ازيد كثيراً على وصفك لرجال المقاومة (الجديدة)، فكل ما لدينا يا صديقي جديد، بما فيها التربية الوطنية، والتقاليد الجديدة والاهداف الجديدة. 

كان الدكتور شريف كناعنة يصرخ لنعود لقديمنا في كتابه (من نسي قديمه تاه) ولا أحد يستجيب. 

سأجدثك عن ماركس والدين والتاريخ وللأني لم اتعلم الفصل بين التعريفات فتحملني؛

عند بحثي المعمق والمستمر عن نشأة الدين وجدت ما فاجئني يا صديقي و فسر لي لماذا نجد فجوة بين الدين والواقع، أو تعارض في بعض الوقت، وما وجدته كان، أن الدين هو فكر وصل لمرحلة معينة وتوقف فتحول من المعرفة التجريبية والعملية الى الثبات،،، وبما أن الثبات لا يعالج ولا يتجدد بقضايا المجتمع وتطوره فهو غير صالح أبدا إلا أذا تكررت الظروف نفسها مرة اخرى. 
ماركس كتب فكرا ثورياً على الطبقة البرجوازية عندما كان يعيش على مساعدات من صديقه انجلز البرجوازي، والاهم انه كتب عن فكرة الثورة في الدول والثورة عليه في مجتمع صناعي ولكن الروس قد قاموا بتكيف الفكر الماركسي ليتناسب مع طبيعة روسيا وكذلك احدث ماو بعض التغيرات لتناسب طبيعة الصين، وكذلك في بوليفيا وكوبا ومصر وكل دولة اخرى حاولت تطبيق الفكر الماركسي، والذي لا افهمه يا صديقي كيف نحاول نحن ان نجعل الفكر الماركسي الذي لم يستطيع ان يحافظ على نفسه امام اول متغير,,,, ديناً. 
اما عن التاريخ فنحن كفلسطينين لنا باعٌ طويل به وكذلك لنا اشخاص نفخر بهم وتجارب لو تكررت اصبح لدينا وطن، تاريخنا فيه ايضاً المزيد من التجارب الفاشلة التي تكفينا لننجح في ما نسعى اليه، لكن نضالنا يا صديقي انتج حركات دينية -أقصدهم كلهك يمينا ووسط ويسار - كل منها متعصب لأفكره ومبادئه ولا يريد الخروج عن الخط، ومن لا يخرج عن الخط (يعيش أبد الدهر بين الحفر)
ولا اخفيك خوفي من الذين يفكرون بالمقاومة السلمية ووما تحدثت عنه انت، والذين جعلوا المقاومة مجرد اعتراض على حاجز، وقد كتبت اعتراضي الصريح في مدونتي (هيگ أجت، ثورجي صيف شتاء ٢٠١١/٢٠١٢). 
لكن كانت مأساتي الكبرى عندما قال لي أحد المناضلين الماركسين في حديثنا عن هرتزل (أنظر اليه كشخص) لكن يا صديقي حسب ما تعلمت في صغري والجنود الذين ضربوني طفلاً وشاباً ايضاً وسرقوا ارضي وسجنوا والدي ومنعوني عن اهلي في الداخل وقتلوا ابن عمي، لن اصبح انسان لو نظرت اليه كمجرد شخص. 
أما ان يصبح لدينا شباب فلسطيني نفترض به ان يكون واعي يتحدث هكذا (فأقم عليهم مأتماً وعويلا)

وأنا الاممين الذين ينادوا بأتحاد عمال العالم وباقي القضايا الاممية هو ليس عبث فقط يا صديقي، ولكن يا صديقي بحسب منطقي كفلسطيني لو اصبحت أمميتي وأنسانيتي أهم من شخصي وقضيتي، لن أصبح أنسان وسأكون عبثي بلا قضية. 

4.28.2012

هكذا أنا يا غالية



أنا كما كنت سابقاً رجلاً أبيض لونتني شمس بلادي، ولست أكثر ولا أقل من أي أحد أخر لتحبيني، عادية حياتي يا غالية أصحو صباحاً من دون معاد، اتناول الحليب كثير السكر، لست مهتماً بمن سيعتبرني صغيراً لأني اتناوله، لكني لن أسميه "نسكافيه" لهواه. 
هكذا أنا يا غالية، عملي في أرضي لا يجعلني بطلاً، ولا القراءة تجعلني عالماً، ولن يجعلني حبك ملاكاً، كان علي ان أسهر من الجندي الذي اوقفني صباحاً، فهو يا غالية ايقظوه منذ الصباح في مثل هذا البرد وأرسلوه مع زملائه المغفلين ليسألني في السابعة صباحاً ومطر السماء لا ينقطع عن مرج أبن عامر،،، إلى أين تذهب؟؟
هكذا أنا يا غالية كان علي أن أستمع لك، ليس فقط لأن عيناكي جميلتان وحسب، وايضاً لأن لكلامك متعة لا أستطيع تعريفها، ولا أستطيع أمام كلامك سوى الاستماع، أعلم أنك تلوميني على قلة النظر لعيناك خلال الحديث، فأنا خجل من  كلام العيون، ولست جيداً في التركيز وربما هناك بعض الامور الاخرى أريد أن أخفيها. 
هكذا أنا يا غالية قليل النوم، لا أحب الموسيقى، أشرب قليلاً من القهوة وكثيراً من الشاي، لم أحلم مسبقاً أني فارس أحلامك، ولم أحلم بك أنت أيضاً لكن أنت كنت مفاجئة يا غالية. 
هكذا أنا يا غالية قد أكون فظاً حيناً ولا مبالياً أحياناً، لا أكتم ألمي لأني رجل شرقي، ولا أستغل مشاعري أو مشاعرك، أعبر عن نفسي بما تيسر لي من كلام كما أنا وليس كما أتمنى والاهم ليس كما تريدين أن تجدي في شخصي. 
قد أكون صبوراً حد الملل وقد اكون متأنياً حد اليأس، قد أكون قوياً حتى الضعف، قد اللوذ اليك بالفرار قد اللوذ منك بالفرار، فأنا لا أريد أن تبني علي أملاً أكبر مني يحرجني، أو أصغر مني يسيء لي، ولا ... 

هكذا أنا يا غالية أسمع ما قالوا الحكماء، فأحدهم قال عن الحب أنه حكمة الحمقى، أو حماقة الحكماء، وأنا لا أطوي أشرعتي أذا كانت حماقة أخرى في الرياح. 

4.08.2012

سيقول لها غداً

أنت يا غالية صديقتي، وتقتلني تعابير الحيرة بوجهك، أنت يا غالية صديقتي، وأحاول منذ وقت أن أقول لك... . 

هو يا غالية صديقي، وهو قريب مني حتى مللته، هو يا غالية يخاف من الكلام، وعلي أجد له عذراً، وسأقول لك ما لم يستطيع البوح به.

كان منزوياً بعض الشيء فتمكن الكسل منه، كان منعزلاً قد كره الدنيا، كان منعزلاً فقد ثقته بالكثير منهم، لم يرضى السير بطريق كل الناس تسلكه، فكل حياته لانمطية،، وكل حياته عاش مبعثراً مشتتاً حالماً بعض الشيء، يا غالية هو لا يعرف كيف يصارحك، هو يا غالية صديقي الذي اعتزل المشاعر، وتخلى عن هوسه بالرياضة ليصبح مختلفاً عمن هو، كان يلوذ الى  بعض الكتب. 

يحدثني عنك أنت دائماً، لكن أنت لا تعرفين ماذا يخفي خلف ابتسامته المعهودة، ولا تعرفين كم هو صعب كم من المر أحتساه في كأس الشاي الصباحي، هو لا يريد أن يقول لك عن تجربة حياته علك لا ترين منها ما لا ُيسرك، يريد أن يقول الكثير ولا يستطيع 

يضع نفسه على فراشه في كل ليلة، ويهاتفني عنو أشتياقه، وفي نهاية الحديث يقول لي (لم اقل لها اليوم،،، سأقول لها غداً) 

4.04.2012

هنا وهناك، قبل عشرة اعوام.

كان الجو ابرد قليلاً من هذه الايام، كان الجو ثقيلاً تتمازج الرياح برائحة الحقد والغضب والخوف والطحين، كانت السماء مليئة بضوضاء الطائرات والدبابات ومكبرات الصوت، والجدران ملطخة بكلمات عبرية الاحرف، ورصاص وقدائف وبعض الدماء، كانت الليالي دون انوار ولا كهرباء، وكنت أنا ساهر مع اخوتي في البيت وهو يؤذن الفجر، عندما أحسينا بصوت غريب في بلدتنا الهادئة. 
هنا رمانة، بلدة تستلقي في مرج بن عامر بين جبل تعنك التاريخي ومجدو، تماماً مقابل تل الذهب وتحت جبل سكندر تاج ام الفحم، هي هنا منذ القدم، كان فيها الرومان وتركوا بعض الاثار، وفيها زيتون رومي يملك من العمر أكثر من ألف سنة، وفيها هذا الصباح صوت غريب قض مضجعها، وجعل أهل بلدتنا يهرعون ليدركوا كهنه. 
لم تبزغ شمس هذا الصباح، والليل شديد سواده، ولا ترى عندما تركز البصر سوى أشباح تأتي نحوك، أشباح تتحرك في مجموعات، وتقترب ... وتحبس انفاس الجميع وتقترب، أجسام عارية تقترب نحوك، أكثر من مئة جسم مرة واحدة، وعارية في برد هذه الليلة، هزيلة، نحيفة، خائرة الخطى، وتقترب أكثر، بعد أن تقتلك الصدمة والمفاجئة والدهشة، تهرع مثلي نحوهم، فهم بشر، نعم بشر مثلنا، تعطي احدهم قميصك وأخر حذائك، وتجري نحو البيت مثلما فعلت انا، وتيقظ أمك من نومها لتعمل لك بعض الشطائر وتحملها وأمك لم تفهم بعد ماذا يحدث وتجري نحوهم عائداً وتقول لهم واحمرار الخجل يملأ وجهك، هذا ما تيسر من خبز أمي، وهذه سترتي الوحيدة، وتجلس مقابلهم على الارض في ساحة المسجد منتظراً أن يقولوا أي شيء. 
هناك جنين، هاهي في مدى بصري، هاهي تشعلها رغم انقطاع الكهرباء انفجارات القذائف، وليفصل بيننا سوى شارع كان يصل بينها وبين حيفا مليء بدبابات وجيبات عسكرية، وموت، وعشر سنين منذ هذا اليوم. 
هناك جنين، وفيها D9 يدمر من المنازل ما استطاع اليه الوصول، ومن لم يمت من هدم بيته على رأسه أم من رصاصة أو قذيفة، أُقتيد الى معتقل سالم، حيث أمتلأ المعتقل، وضاق الجنود ذرعاً بمن قد اعتقلوا وتركوهم في مدخل بلدتنا الهادئة صباحاً على إلا يعودوا لجنين حتى أنتهاء الاجتياح. 
في بيتنا أجلس اليوم محاولاً النوم على كرسي بلاستيكي في غرفتي التي امتلأت بشباب لم يذوقوا النوم بعد، لم يتكيفوا مع حرارة غرفتي الدافئة بعد أن تسرب برد الجو الى عظامهم وهم الذين قد احتجزوا في العراء، وليس للنوم سبيلا. 
اليوم الرابع عشر للاجتياح، اركب التكسي نحو جنين عندما كانت جنين ابعد من الجنة عن بلدتي، نسلك طريقة جديدة في كل مرة نذهب لها، سوى طريق واحدة وهي طريق حيفا جنين، وهي طريق الشمال الاخرى الخارج من جنين بموازاة شارع 60 الذي يصل للناصرة، ونصل بعد الانهاك لها، اهرع نحو المخيم، مخيم جنين، كل شيء فيه مثلما لم يكن، فالبيوت مهدمة والورود قد ذبلت، وصورة منير وشاحي، صديقي أنا مصلوبة على جدارية بجانب صورة أمه وقد تهدم بيتهم فوق رؤسهم، أحبس دمعتي بصعوبة يومها، واقول في نفسي، مع السلامة يا صديقي، يشدني اخي من يدي علنا نساعد احدهم، ولا وقت في المخيم للبكاء ولا لرثاء صديقي، من المصلوب على الجدار يا منير روحك أنت، أم صورتك، أم أملنا، أم عجزنا، أجبني بربك كيف تحافظ صورتك على الابتسامة، أجبني بربك اين تذهب روح شاب لم يمضي من العمر سبعة عشر خريفاً عندما يقرر وحش "كاتربلر" انهاء أحلامها، أجبني بربك هل تتذكر الايام التي قضيناها بمعسكر الشهيد صلاح خلف بعد أن عرف بسجن الفارعة، اجبني... .
أبحث عن عمي هنا أو هناك، فلو كنت مكاني انت ايضاً لم تكن لتعرف أي حطام هنا كان بيته، ويرشدني الناس الى بعض الخيام، وأذهب حيث عمي لأجد خيام كثيرة تذكرني بصور اللاجئين في ما بعد النكبة، مصفوفة متلاصقة تحاشر بعضها على المكان ومن هول المنظر انسى لما قد اتيت، واذا دققت النظر لوجدت مثلي مقبرة دفنت الجثث والاشلاء بالجملة، وأناس يبكون من حولهم، وحجة تسعينية العمر تحتار الحيرة من المشاعر التي نقشت على وجهها، تقول لي، "انشالله مفقدتش غالي ياستي، الله بعين، الله بعين" 
هنا رمانة، بلدة حزينة تقع تماماً بجانب جدار معدني يجثو على ارضها من جهتين، وبجانب معتقل سالم المقام على ارضها، تماماً قبل معسكر تدريب لجيش الاحتلال، وبعد أخر "حاجز طيار" على طريق جنين سالم، أتذكر اليوم وهو ينادي لأذان الصباح، أنه قبل عشر سنين وأسبوعين وعدت نور أن نلتقي قريباً، وسألت عنها، وفتشت شواهد القبور، ولم أجد اليها سبيلا،،، أين صديقتي نور؟؟

4.01.2012

يوم أخر بحضورها

تجلس بجانبه، كل ما فيها كما يجب أن يكون، كل ما فيها كامل، يجتمع فيها ملاك يستيقظ صباحاً ليوقظها من نومها الجميل والاحلام الشيطانية في شقة في مدينة رام الله، لتقف على المراءة قليلاً، وتذهب كمجتهدة للمكان، وفيها شيطان يحرك عيناها بقوة نحوه دونما ارتباك، له هو الذي يجلس محاولاً أن لا يظهر ارتباكه، هو لا يحلم اليوم كأي منام عادي أخر له، يستيقظ على صوت هاتفه النقال الذي يزف له وجوب الذهاب الى رام الله من بيته الواقع في قريه لا تعرف الازعاج في ريف جنين، يحث سائق التكسي على الاسراع ليصل. 
باردة هي رام الله صباحاً ولا يأبه ببردها، يبحث عنها لمجرد وصوله هناك، ويدخلان معاً ليجلس بجانبها، وكأنه خجولاً لا يقول لها بأنها أجمل وبأنها السبب الرئيس لحضوره وأنه يريد أن يبقى بجاذبيتها، ويكتفي بتعديل حالته على الـ facebook كاتباً "يقتلني حضورها، وما في قلبي سأدفنه فيه لبعض الوقت" ويوتره تعليق صديقتها وكأنها تعرف ما لم يقال وتواجهه بأن عليه البوح بما لم يخرج بعد، ولا يدري هو أكانت صديقتها قد لاحظت نظرات عيناه منذ أكثر من سنة، ويحاول أن يقنع نفسه بأنها لم ترى. 
بجانبها يختلس النظر لعيناها ووجها ولما تكتب بطريقة معكوسة كالتي يستخدمها عندما يريد أن يكتب سراً ويبتسم. 
يضحكان يبتسمان يركزان يأكلان يفعلان كل شيء معاً وكل ما يستخلصه من هذه الفترة الذهبية كان قد اوجده منذ زمن، هو أنه لا يريد لوجودها أن ينتهي، يعرفها على أصدقائه وفي كل مرة يعاتب نفسه بأنه كان يجب عليه أن يعرف عنها بطريقة أخرى، ولكنه "متباطءاً" كما يدعي المنطق. 
اربعة شهور مضت منذ يومها وأشهر أخرى من قبل ولا زال يجلد نفسه ولا يعزيه المنطق ولا شيء أخر، وفي كل ليلة قبل أن يخلد للنوم يقول؛ سأقول لها غداً صباحاً.