10.06.2014

عمان, وأمور أخر

لما أرى عمان، هذا ما سارعت في قوله لصديقتي عندما زرت عمان لأول مرة، كتبت نصي في سيارة الاجرة التي أعادتني إلى بيتي، وعندما كنت في السيارة مرة أخرى لم أستطع الكتابة، عمّان كفوضى غرفتي، أحبها وتقتلني، تترتاح بتناقضها وتُزعجني. عمّان ليست حجارة، كحجارة قديمة بني بها بلاط الرشيد، ولا رخامية كالتي بني بها قصر يلدز، أنا رأيت عمان بكل تناقضها، كنسخة أكبر من رام الله، أقسى من رام الله، عمان ياصديقتي هي حالة، هي أشخاص قد لا أحكم عليهم كما أفعل عادة من المطاعم التي بها يأكلون، أشخاص قابلون للحب، حريصون على الابتسامة ما أستطاعوا اليها سبيلا، كما الرحلة التي تحبيها من أجل االرفقة، أحببت فيها كل شيء الملاك والزوار وأهل الدار، ورواد مركبي في الرحلة.
 لم يقتصر الامر على عمّان ياصديقتي، فأنت لا تستطيعي أن تنسي من شاركك الحديث عن النجوم في الصحراء، ولا من سار معك على عجلٍ لإدراك سحر البتراء، أو سار على جسر خشبي يسير فوق البحر الاحمر كشرفة تطل على وطنٍ لي ليس لي به ذكريات. في العقبة، أحسست في الغربة، رغم قرب أصدقائي، أنزويت، جلدت نفسي، أستحضرت كلما قيل لي في وصف البحار والشواطئ، وبكيت الشاطئ المجاور، الشاطئ لي، صغيرٌ جداً، جميل جداً وغريب جداً، أقتربت من المياه بحذر، تختلف ألوانها، مسكتها رشقت بها وجهي، شربت منها، فاجئني الطعم وشربت مرة أخرى، اخفيت دمعتي عن صديقي المصري وهو يصورني من الاردن وخلفي أم الرشراش وطابا قريبات كما الحلم، بعيدات كما الحلم. 
عمان يا صديقتي لا تستطيع أن تخلع عنها رداءها، ليس فيها وقت لطفل قد يضل الطريق، ليس فيها مكان لقصة عشق خجولة، ليس فيها أمل يُسقى بالتأجيل، لم تعبء بي تلك المدينة، لم تصنفني، لم تفرض علي مساراً، وكانت تُشرق شمسها أذا بقيت نائماً، لكنها لم تُشعرني في الغربة، ولم يكن يهمها أني ويمني ومصري ولبنانية وسودانية، نقف في صفٍ أردني بأنتظار حلويات حبيبة، ولم تفتش جوازات سفرنا حول مائدتنا في مطعم هاشم، ولم تغالي علينا في تشي تشي، فهي يا صديقتي كما البقية، يصبحون على أغنية لبنانية ويمسون على أغنية مصرية. 
سأتجاوز درس التاريخ في نصي، وسأحدثك عن السلط، فهي مدينة ذات رائحة تشبه نابلس، وأنت ستكرهيها ظلماً، فلبساطة المدن القديمة سحر لا ينتهي، لن تجديه في مدينة كالتي تسكنيها، وتمري في الطريق من بيتك إلى عملك، بمخيمٍ وفندقٍ ضاق بعدد النجوم، أن لا يستهويني الأمر، والسحر فيها يجري على ادراجها، كمُعمرة تدعونا لبيتها وتبكي قصصاً من القدس إلى حيها، ولو أستوت قدماك فوق جبال عجلون لرأيتي الدنيا في مستوى النظر، لا شيء يفصل بينها وبين فلسطين سوى الوهم والهزيمة. 
أنا لن أقترب من الحدود مرة أخرى، لن أنسى نصاً كان متنه أحدى وعشرون صديقاً لن أشرب مياه البحر الاحمر، لن أنغمس مرة أخرى في السعادة، لن أنظر الى قلب أحداً قد أجد به وطناً، فحساسية الحدود والاشتياق، والوطن قد أصبحت عندي مرضٌ عضال.

8.20.2014

الموتى أجدر بالقراءة


أنا تغريني الكتب، وتتبع عيناي الكتب حيثما وجدت، سواء عندي أكنت فضولي بهذا أم طبيعي، لا أستطيع أن أتجاوز الامر، وهذا ما جعلني أن أطلب من صديقتي أجندة من مكتبها كانت قد أصدرتها وزارة الثقافة في مناسبة يوم الثقافة الفلسطيني ١٣-أذار، لمن لا يعلم، في هذا التاريخ ولد الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وأحتفالاً بيومه أصبح لدينا عرساً وطنياً لم أذكر بكل السنين السبع اللاحقة أن أحتفل به أحد. 
أما تلك الاجندة فكانت تحتوي أسماء الادباء والشعراء والفنانون الفلسطينيون منذ بدأ التاريخ، وسيرهم الذاتية، وكان ما يجمعهم أنهم كلهم موتى بإستثناء درويش. 
درويش على غير عادتتا كُرم قبل وفاته لكن ليس من القراء، المثقفون يقرئون ويعرفون في العادة، أما موجات الثقافة الغريبة التي تجتاج الناس فهي في العادة لأجنبي وجده الناس بالصدفة، مثل موجة جابريل جارسيا ماركيز، وباولو كويلو، وأحلام مستغانمي، وبعض الكتب القليلة التي تحدث ضجة في الوطن مثل كتاب "رام الله الشقراء"، تحدث قليلاً في مجتمعنا. 
بعد وفاة درويش، أصبح الكل يقرأه والكل يحضر المناسبات التي تخص ذكراه وتكريمه وتأبينه، أتنصب نقاشات الصالونات الثقافية والمجموعات في الوطن والشتات بمناقشة أثره، وبعد سنة أقتصرت ذكراه على بعض القصائد المتكررة على شاشة التلفاز الوطني، وبعض الاقتباسات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعية، و وجود كتاب أشعاره الكاملة المطبوع طبعة جديدة بعد الوفاة، في المكتبات الشخصية، أذكر أني لم أكن بحاجة لشراء مجلد اعماله الكاملة وقتها، أنا أخاف عن شاعرنا سميح القاسم من هذه الموجة الثقافية التي قد تكتسح أدبه وتحشرها في إقتباسات صغيرة نتناولها بلا تفكير بها، ولا بالتحقق من سياقها في متن القصيدة على حساباتنا الافتراضية، وأبشركم بتلك "أنا لا أحب الموت لكن لا أخافه"
وأخاف أكثر على الشعراء الاحياء أن يضيع حقهم في القراءة ويتأجل حتى موتهم. 
image.jpeg


---

12.14.2013

عما حدث في يافا

هي على الشط تغني، تغني ليافا، ولدلال وللبحر، وأمواج العجمي تتراقص بهدوء منتظم على صوتها، كصوفية تسير بهدوء بين الصخر والماء والزبد، وتلعب الريح بفستانها المزركش، بألوان متناسقة، والشمس ضاعت تحت أفق المتوسط، ولا نور على البحر سواها. 
هي على الشط تغني، وأنا على الشط ذاته بعيداً، لا أذكر يوماً قبله كنت بيافا، ولا أعرف عن ماذا سأغني على العجمي المرة القادمة، ربما عن بعدها رغم كل هذا القرب. 
أستذكر أسطورة إغريقية قديمة، وأنكر أن تكون أسطورة، فأندروميدا ما زالت على العجمي تغني، ولن يأتي اله البحر ليخطفها، أما أنا وبيرسيس لا داعي لنا قي مثل هذا اليوم، أندروميدا تنظر لي وتتذكر خيبتي، ولم أذهب كعاشق أسير معها على شط العجمي ونترك أنفسنا لجاذبية الابيض المتوسط. 
لا فرق بين هذا اليوم ويوم أخر قبل عام مضى، كنت قد تمنيت فيه هذا الشاطء وهي، ورحت في خيالي أرسم صورتنا وأن أحملها وأسير في المياه، أسير بلا إسمٍ أو هوية، أسير تاركاً قضيتي في حقيبة التصوير على الشط، أسير مهملاً الكلمات والشعر والادب، نسير فقط هي وأنا، ولا فرق سوى خيبة أحاول تجاوزها منذ آب المنصرم. 
في القدس، أمر عنها ولا تنظر ألي كأني غريب، مثل هؤلاء الجموع التي وقفت على قلنديا بشمس رمضان القاسية، يحاولون أجتياز الحاجز المريع، أجلس بقربها ولا تنظر، حتى الابتسامة التي حملها وجهها كانت تمثيلاً، وكحل عيونها كأنه محاولة لأخفاء العيون، لا ليست هي الذي كنت أعرفها منذ عام، وربما لست أنا الذي كنت منذ سنة خلت. 
بتثاقل ندخل المينا كلٍ على حدا، أقف لأصور سفينة ترسو على الميناء، وتمر عني دون أن تبدي رأيها في زاويتي، ونسير في البلدة القديمة التي كانت منذ عقود كبيرة، وصغرت بفعل الهزيمة، ونقف قليلاً قرب برج الساعة رابع سبعة أبراج بنين منذ مئة سنة، لم تكن الساعه تلك من ضمن ما تخيلت أندروميدا في مثل هذا اليوم الموعود، ولا حتى في ما تخيلت أنا، أما هي فتصعد في سيارة الاجرة قاصدة القدس وأبقى أنا مناجياً آله البحار الذي يسكن يافا أن يخفف عني وطئت خيبتي. 
في القدس، تقف، وقبة الصخرة خلفها تدعوا لي في "ليلة خير من ألف شهر" أن تعود لي الحكمة. 
وفي يافا، أرى العجمي رائع كما هو منذ مئات العقود، ولا ينقص من تفصيلاته سوى هي. 
نابلس ١٤. آب. ٢٠١٣

8.14.2013

"ضرب الحبيب زبيب"

"ضرب الحبيب زبيب"
هو العزاء الذي أقنعت به نفسي عندما جرحني الأبيض المتوسط. 

في حيفا، حديقة جميلة تطل على الميناء المشغول بآليات ضخمة، تحمل المستوعبات الحديدية لتنقلها من السفن الراسية بسلام إلى ذلك الرصيف المزعج، وليس الازعاج ما يليق بمدينة لم يزرها الشعراء ليكتبوا إبداعهم كما قال ناجي العلي، وهذا ما أبعدني قليلاً لأعتلي فوق الميناء وأطل عليه من علٍ، أمضيت عمراً وأنا أحلم بشرفةٍ على البحر، أراقب حركة السفن والملائكة في المياه الزرقاء يفصلها خط صغير عن السماء المسالمة، لكن في حيفا ليس عليك إلا أن تقف على رصيف أي شارع فوق حديقة البهائيين الجميلة، لترى تلك القبة الجميلة التي تكاد أن تضيء، وسط حقولٍ خضراء، تنتهي بذلك الحلم، أقف مبهوراً، على يميني فتاتين تلتقطان صوراً، وهما مثلي يقبعن تحت تأثير هذا السحر للمرة الأولى، وعلى الجهة الاخرى رجل وامرأته توارثا العداء منذ خمس وستين عاماً، وأصر على  إزعاجهم بطلبي منهم أن يتحركا لأصور فتاة جميلة تحمل أسم شابٍ أقصاه العمر بعيداً عن حيفا، ويتذكرها كل صباح منذ ثلاث عشرة سنة، في تلك الصحراء البعيدة،،، صحراء بعيدة وحيفا قريبة! ألعن سخرية القدر، وصاحب البيت الذي أرى شرفته التي تمنيت، وألعن زمناَ مضى جعلك تدفع ضريبته في تلك الصحراء. 

البيوت التي تمر بك وأنت في طريقك إلى كل هذا الجمال، تحمل طابعنا، تفاصيلنا، خصوصيتنا، وتحمل أيضاً أسماء عبرية، وسكان غرباء، وأشكال لا تنسجم وتاريخ المدينة، حيفا مدينة الشعر، ما عليك سوى أن تسكنها لتصبح شاعراً، فلو رأيت مثلي الأبيض المتوسط بين شجرتي صنوبر، وكتبت فيهما غزلاً، سيصبح بعد بضع سنين سلاماً وطنياً. 

خلف السور العظيم، أترجل من الحافلة، وأقف بجانب تاريخٍ له من العمر ما يكفي لإحراج الغزاة، فرنسا ما زالت تلعنه وتلعن نابليونها بسبه، ولولا أنني لا أريد لباريس أن تجد عزاء لنفسها لقلت أنكم تماماً مثل الآخرين "لا خبزٍ لكم في مثل هذه المدينة" فكل الجيوش تتكسر على أقدام السور، مثل الأمواج ولا يبقى سوى الزبد، ولو استطعت أن تقاوم السحر قليلاً وتنظر إلى الناحية المعاكسة للسور، لرأيت حاجَة تحمل صنارتها وتنسج صوفاً على شُرفتها القديمة، شُرفتها تلك ليست سوى جزء من لوحة تحكي قصص البيوت. 

ولو سرت على السور لن تترك باحة كنيسة إلا لتدخل في حرم جامع، أو هيبة منارة، آه منها المنارة، تلك التي ترشد كل الضائعين والقباطنة والقراصنة والهواة إلا أنا، كيف بربك تتركينني ضائعاً وعندما أجد نفسي أتوه مرة أخرى فيك ومرتين في لعنة الماضي، وتلك الفتاة تسير بجانبي تملك سحرين، سحر عيونها، وسحر اسمها الذي يحمل قصص وحكايات مدينة أخرى تسكن الشاطئ نفسه لو سرنا نحو الجنوب، أهمس لها أنَ كيف لي أن أجلب أولادي إلى المكان، كيف لي أن أقول لهم أني أريد التسلل إلى بلدي، كيف لي أن أبرر الهزيمة، كيف لي أن أورثهم حب البلاد ورائحتها وحجر كن حجار عكا، أما هي فتصمت، وأروح أفكر في نفسي أي هزيمة سيتعرض لها من أحب تلك الفتاة ومنعه الدهر عنها، وربما لهذا قررت مسبقاً أن لا يحمل اسم حبيبتي اسم مدينة أو قضية، فقلبي الهش لا يحتمل هزيمتين. 

عكا لا تصلح للشعر، فالشعر فيها هرطقة، ومجرد كلام مبتذل، ففي عكا ليس مثل الصمت تعبيراً عن الجمال، ولو رأيت شاباَ يقفز من فوق السور نحو البحر لا تبدي رأي، فهو يعرف البحر كما تعرف أنت وسادتك، لا قيمة للوقت هناك، فهو يذوب كما يذوب اسمك الذي تكتبه على الشاطئ بفعل الموج.  

بين حيفا وعكا، جلست أتبادل الحديث مع صياد، يضع قبعة فرنسية، وجعبة بيضاء ويحمل صنارته وطُعمَه، وينتظر الأمواج، لا أحتاج رؤية وجهه لأدرك خبرته، وليس بعيد عنا صياد أخر، يعلم أبنه كيف يقرأ الموج ويكتب المستقبل، لا أدري لماذا تذكرت ما قاله لي شاب في يافا قبل أسبوع أن الصيد في دمهم، ولو منعتهم عن الصيد سيموتون، أحقاً يورث الصيد، مثل العيون والوطن. 

أسير على شاطئ أسموه نهاريا بعدما صلبوا عليه قرية الزيب، لتعيث بها الغربان فسادا، ولأن التاريخ جديد نسوها، ونسوا أن الصخور الجميلة استقرت هنا منذ بدأ الخليقة لجاذبيتها، تلك الصخور التي قررنا صعودها وفقط عندها أثر الماء في الصخور التي أصبحت حادة كالسكاكين، وليس مثلي من يقاوم أغراء المتوسط لتجرحه الصخور، ويقول في نفسه "ضرب الحبيب زبيب" ويكمل الطريق.  

لو كنت أيها المتوسط جرحت قدمي لتذكرني بك تلك العرجة الخفية، اللاإرادية فقد 
أفلحت، لكن كيف لمثلك الافتراض أن سحرك في عيني قد يزول





8.08.2013

سفر المحبة


هل تدخلين النفق؟ سألتها لا لتدخل وأنما كي لا تعتقد أني سقطت عن حافة الطريق الخطر، وكأنك تسير على صخر على شفا التكسر، والأرض بعيدة بما يكفي للقلق، ودخلت. 
 لا زوار للدير القديم، فقط أنا وهي، وفتاتين من ذوات الشعر الأشقر، عندما تتجاوز الباب المهيب عبر الحديقة الرائعة، التي تشعرك بأن كل من كتب مديحاً في المدينة كان عليه أن يأخذ قسطاً من "الجنة" فيها، يتراءى لك دير سانت آن الجديد، الذي بني من أكثر من سبع مائة سنة، ولكن السحر خلفه، أطلال الدير القديم، عميقة هي الأساسات، عميقة جداً لا يعبر عن عمقها أكثر من تلك الشهقة التي سمعتها منها عندما نظرت للأسفل، وأما السطح فهو بمستوى النظر أو أعلى قليلاً. 
 لا زوار في الدير القديم، فزوار المدينة انقسموا في بينهم، منهم من يزور كنيسة القيامة، ومنهم من يدخل المسجد الأقصى، أما الكنيسة (الصلاحية) فزوارها نحن، ولم أكن أدري أن كل هذا الوقت يأخذنا فيها، وهي التي وجدناها مصادفة في الطريق من باب الأسباط عبر شارع الآلام، أما الهواء الذي يمر بنا ونحن جالسين ناشدين شيئا من الراحة، كان لطيفاً في مثل ذاك اليوم الحار، وهي فرصة للحديث عن شيء سوى التاريخ.
هي تبحث بين الوسادة والفراش عن هذا المزعج، في ريف بعيد، تجده، لتطفئ المنبه، وتتصل بي لتيقظني، وتزهد بالكحل، وتفرط في الجمال، أما أنا فأحتار واحدا بين ثلاث قمصان، الآخرون يعتقدون أن لهن اللون نفسه، وأجهز الكاميرا ليوم طويل من التصوير، وأخرج. 
هي تعتقد أني سأكون دليلاها للقدس، وتسير بارتباكها من جنين حتى باب العمود، حيث يختلف كل شيء، ويصير الحاضر مجرد سفرٍ قيد الكتابة في كتاب مقدس، أما أنا فأريد أن أغرق في تفاصيل الحروف التي كتبت سفر التكوين، وهي تبحث عن تكوين جديد يصهر علاقتنا، ويعيد تشكيلها لنصبح أقرب. 
خان الزيت، أعداء، حاجتان تبيعان الخضار البلدي، كهل أمام متجر صغير، سيدة تحمل لأمها كرسيا وتتوهان في طريق للصلاة، سياح شقر، القيامة، الخالدية، السلسلة، وفي نهاية هذه الطريق على الباب تقف بقلق خلف الجندي الذي يسألني أسئلة بلا معنى.
أربعة خطوات أسير وأقف دقائق كأني أقف في حضرة السلام وطني، وهي كانت حريصة أن تصلي في مسجد هو أحدى ثلاث "لا تشد الرحال لغيرها" أما أنا فكنت أنتظر خروجها خلال التقاط بعض اللوحات المقدسية، وسرنا في الحرم، كما لم يسر أحد من من حولنا، ونتهامس أحيانا كي لا نزعج هذا الحاج الذي غفى وهو متكئ على جذع زيتونة، وسرنا حتى تجاوزنا باب الأسباط إلى هذا الدير، وأكملنا من بعده المسير نخرج من باب وندخل من آخر، تارة في وقف وتارة في بيت وأخرى في تكية، حتى حفظت الطرقات والأبواب وابتساماتها. 
رام الله، وعقارب الساعة تنبئ بيوم جديد عما قريب نترك كل الأسفار، والحديث الجميل في ذاك المقهى الفظيع، نبدأ سفراً جديداً ونتفق أن لا نكتب فربما أحد المستشرقين سيكتب بعد سنين تلك الحكاية.

8.03.2013

مقدسية


على الدرج، بين قبة الصخرة ومسجد الاقصى، وبعد أنتهاء الحديث الرائع مع جميلتين لم أعرفهما من قبل أحداهما تملك أبتسامة ساحرة، والاخرى يكتسي وجهها الخجل، سرت في الباحات يخالجني شعور غريب، أتعرفون كيف يشعر من فقد رجله، أو أحدى يديه، هو هذا الشعور الذي هيمن على نفسي. 

داخل القدس العتيقة، كنت أسابق الوقت علي أمر بكل الطرقات، بكل المساجد والكنائس والاديرة والتكايا، وأن لا أصل لما يدعى حي اليهود كان تماماً كالفقد، لا أذكر كم مرة تجاوزت القدس، لأرى ذالك النور عندما تستوي قدماي في طريق بيت لحم، كم كان أملي ضعيف أن أراها بكامل هيبتها، بحجارة أقدم من التاريخ، بذكرى كل أولاءك الذين درسنا عنهم في المدارس، وسمعنا شيوخ المساجد يتحدثون عنهم في كل خطبة. 

في الطرقات أسير ويملأني الخوف، لا أريد أن يعلو صوت خطواتي فأيقظ ملاكاً يستريح، ولا أريد أن أمر بين أطفال يلعبون كرة القدم في "زقة"، خائف من أكون نشازاً في تقاسيم المدينة، بحذر أطرح السلام على الناس لأني لا أريد أن تلتهي تلك السيدة عن مفاصلة بائع الملابس في الجهة اليمنى من خان الزيت، ولا أريد لهؤلاء القوم ذوي الوجوه البيض والشعر الاصفر أن يلتهوا بي ويضيعوا ما يقول لهم دايلهم السياحي. 

طوال الطريق، وأنا أدخل زقة لا أعرفها وأخرج حافظاً لما دخلت، أتذكر ذلك الجندي الاسرائيلي الذي يحمل هاتفه الذكي، وسط الفلسطينين، ولا يرى أحد، لا يرى أحد أبداً، وربما يرى ولا يأبه، أحقاً يمكن له أن ينعم بما يكفي من السلام وهو عدو، وأنا أسير غريباً !!

عن القدس لا أستطيع أن أستعير من قاموسي كلمات جميلة، فليس الكلام قرباناً كافياً، لوصف تلك الطرقات التي تفوح منها رائحة التاريخ، والزعتر البري، فحتى شياطين الشعر لا تجدها في القدس العتيقة. 

يوقفني ليسأل، جندي أخر، وليس لي إلا أن أجيبه، إلى أين تذهب؟ 
ألعن خمس وستون سنة مضت، أرغمتني أن أنقل نفسي من فصل التاريخ إلى فصل الهزيمة، لمجرد سؤال من جندي أبله يقف على باب السلسلة، يفتش حقيبتي، وعدستي، وعيني، يبحث عن أبتسامتي التي أنتظرها منذ سبعة عشر سنة، ويصادرها، يبحث في هويتي عن أخوتي، وفي جريدتي عن كلام سوف أكتبه، أو صورة قد ألتقطها. 

أتدرون كيف يشعر الكفيف، تماماً كالذي يسير من أمام باب الاسباط، ولا ينظر لعظمته لأنه لا يريد أن يرى الجنود، يشوهون كل ما حدثوه والده وجدتيه عن جماله. 

وهناك أيضاً تعلمت الحسد، ليس فقط من حجر كبير أو صغير في سور القدس، أو من وردة جميلة نبتت في حائط كنيسة بنية منذ ألف سنة، أو من هرة تستلقي بهدوء في ظل شجرة زيتون كبيرة، أو من تلك الفتاة التي قالت بلامبلاة في أخر هذا الزقاق بيتي. 

في طريق الالام متوجهاً نحو باب العمود، كنت أخطط كيف سأحدث عائلتي عن هذه المغامرة الجميلة، كيف تجاوزت الحدود بعد سبع عشرة عام لأرى مدينة دخلتها طفل، بإستهتار العاشرة من العمر، وكنت فيها كمن يقرأ نصاً بلغة غريبة، لأذكر شيء. 

قضي الامر، والتفت ورائي لأرى باب العمود، ما زال كما كان، تصعد الدرج وتسير قليلاً لتعود للحاضر، وليس مثله حاجز قلنديا، يضربك على رأسك لتعود للحقيقة، وتبدأ بالتفكير، أن أي ذنب قد أقترفت هذا اليوم، كيف لي أن أعيش مع كل هذه القهر الذي عشته في تلك الساعات التسع الاجمل في عمري. 

======
السبت ٢٥ رمضان 

3.05.2013

في غياب حضوره

لست أدري ما الذي دفعني لكتابة مثل هذا العنوان، لست أدري كم كان هذا اللقاء مميزاً. 

الساعه الواحدة إلا ربع أصل اليوم إلى أمسية الشاعر الكبير سميح القاسم، القاعة فارغة جداً، شاحبة جداً، لن أخفي عنكم أحباطي الشديد اليوم لأن القاعة فارغة سوى من خمسة عشر شخصاً بإستثناء القائمين على الحفل، وفرقة الكمنجاتي الرائعة، وضل الفنان اياد ستيتي وفرقته يعزفون حتى الواحدة والثلث عندما بدأ الناس بالوصول، حتى أمتلأت القاعة بغضون خمسة عشر دقيقة، كانت الامسية يُفترض بها أن تبدأ الساعة الواحدة، لكن الحاجز، الذي طالما أرهقنا، أخر عنا الشاعر سبع وأربعون دقيقة. 

بدأ الحفل كالعادة بسلامنا الوطني، الذي وأسفي رأيت بعض أنتهاكٌ لحُرمته، من شخص هنا وسيدة هناك، ومن ثم تحية الشهداء والاسرى، وترحيب من أحمد القسام نيابة عن محافظ جنين، الذي تعذر حضوره، حتى بدأت موسيقى الوطن تدب في الجمهور، بموسيقى الكمنجاتي، على ألحان أناديكم، منتصب القامة ويا بحرية. 

بتثاقل صعد الشاعر القاسم إلى مسرح (الأمير) ولم يفقد روحه المرحة التي أعتدتها، حيث وضع يده بخفة وحب على رأس مقدمه، وذهب يتكلم شعراً، (تقدموا، البيان الاخير عن واقع الغزاة الذين لا يقرؤا) وأعتذر بلطف في جملة رددها أكثر من مرة مسبقاً، (بقولولي عندك مرض، جاوبتهم عندي مرضين الاول خفيف اسمه سرطان، والثاني صعب اسمه احتلال)، وبعد تكريمه عاد لطاولته كي يوقع بعض كتبه كما مخطط له، ولم يستطيع وغادرنا الشاعر الكبير هناك. 

قبل أكثر من أربع سنين تكلمت مع الشاعر لأول مرة، كان كل شيء مختلف، كان شاعرنا روحه أكثر أصراراً على الحياه، كنت واقفاً أمامه بإحترام الدواوين العميقة التي كتبها، وأصراره الدائم على البقاء في الوطن، رغم كل مضايقات الاحتلال، كل هذا كان في ذهني وأنا أمامه وأكلمه سائلاً منه توقيعه لكتابي (عجائب قانا الجديدة)، جاوبني بضحكته الجميلة "طب هات اوقعلك شايفني خايف منك"، لم أكن بحاجة اذكرى أجمل من هذه تجمعني بشاعرنا العظيم. 

أنا قبل قرون 
لم أطرد من بابي زائر 
وفتحت عيوني ذات صباح 
فإذا غلاتي مسروقة 
ورفيقة دربي مشنوقة 
...

لم أزل أردد هذا البيت منذ الاعدادية، والذي علمونا بفخر شعره.
في المرة الاخيرة كنت أعرف أني سأراه لاحقاً، لكني اليوم لست متأكداً، مضى قبل أن يودعني. 

شكراً لكل من كان له يد في مثل هذا الحدث الجميل.